الصفحة 116 من 145

والرب أرحم الراحمين فالمخلوق لَوْ أراد تعذيب من أفنى عمره بمحاربته ثم عذبه أضعاف أضعاف الزمان الذي كان يحاربه فيه وهو يعترف بذنبه ويُقر بخطئه ويدعو ويتضرع وينكسر كما ذكر الله عن حال الكفار في النار، إنه من كماله أن يعفو عنه ومن مدائحه، أما أن يظل غضبه عليه كما هو بالرغم مما يقاسي هذا ويعاني وبالرغم من انكساره حقيقة واعترافه بذنبه قيقة فهل هذا اكمال يستحق عليه الثناء؟ مع أن المخلوق يتشفىّ بتعذيب من أساء إليه، والرب سبحانه ليس كذلك فلا يتضرر بالمعاصي ولله المثل الأعلى.

أما ماذكره ناقل الفتوى بالهامش أن الكافر على عزم أنه لوْ عاش أبدًا لبقي على اعتقاد الكفر فلما كان عزمه مؤبّدًا عُوقب بعذاب الله الأبدي والله هو المطلع على السرائر، وينسب هذا القول لابن ريّان.

فالجواب: أن قائل هذا ماعرف حكمة التعذيب وأنه لإزالة الرّان الذي حجب عن الإله وقطع عن طاعته في الدنيا وأن النار تذيب هذا الرّان كما تُفْتَن المعادن في النار فيزول خبثها، فكذلك الكافر.

إنه كلما يستمر في العذاب كلما يخف الرّان عن قلبه وكلما يقترب قلبه مما فُطر عليه فيزداد تضرعًا وانكسارًا، وقد ذكر الله في القرآن تضرعهم ودعائهم وذلّهم وانكسارهم، وهذا لو حصل منهم في الدنيا لرُحِموا فما المانع أن يحصل هذا في الآخرة بعد ما تأخذ النار منهم مأخذها، ما الذي ينفي هذا؟ والله ما يَبْعُد قبول هذا واستحسانه من قلوب سليمة أيّ شيء أحسن من هذا وأكمل منه يوصف به أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين؟.

وتأمل كيف يظهر بهذا معنى اسمه (الحكيم) بل و (الرحيم) .

فظهر مما تقدم أن الكافر وإن كان عزمه لو عاش البقاء على كفره فإنه ينفسخ عزمه هذا بعد مايذوق العذاب الأليم فيعود إلى فطرته، وظهر أن هذا الرأي مبني على عدم معرفة الحكمة من التعذيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت