الصفحة 51 من 145

عليه من العذاب أشدّه ومن النقمة أعظمها وصب عليه العذاب صبّا والأعوام تتكرر والعذاب يزداد والمعذَّب منكسر ذليل مُعترف بذنبه، ويزداد مع الزمان إنسكارًا وذلًا واعترافًا ويُقرّ بخطئه وجُرْمه ويمقت نفسه فهل يستحيل على المخلوق أن يرحمه بعد أن صار في قبضته ورهين أسره وعذابه زمانًا طويلًا فكيف بأرحم الراحمين الذي هو أرحم بعبده من الوالدة بولدها والذي يُعذّب لحكمة لا للتشفي كالمخلوق وقد خلق كل عباده على الفطرة؟ ولا أريد أن استمر في هذا وأُطيل فالذي يُريد ورود هذه المناهل العِذاب من معرفة الرب عز وجل وحكمته ورحمته فلينظر ماذكره ابن القيم في حادي الأرواح على هذه المسألة وشفاء العليل والصواعق، فالكلام إنما هو في معرفة الرب عز وجل وأعوذ بالله ممن لا يُريد إلا أن يعرف ربًا دائم السخط دائم الغضب لايمكن أن يرضى ولايرحم ولا بعد عَدَدَ قطرات البحار وحبات الرمل لو أن كل واحدة مليون سنة، فهذه معنى عقيدة القائلين بدوام النار مع دوام الله وهم يعلمون أن هذا لازم قولهم وحقيقته ويلتزمونه أيضًا حيث لا مفرّ لهم منهم إلا إذا اعترفوا بالفناء فقد قال صاحب كتاب (تنبيه الأخيار) مُعلّقًا على كلام البربهاري الذي يقول عن النار أنها باقية مع بقاء الله قال: وهذا الإطلاق وإن لم يَرِدْ إطلاقه في الكتاب والسنة والكن هذا لازم التأبيد ولازم الحق حق إذا التزمه صاحبه، إنتهى. فهُو يبين أن البربهاري قد التزم ذلك ويعلم أن هذا لازم القول بالبقاء يعني مع بقاء الله ويُقرّر ذلك العلوان ويلتزمه حيث لا مفرّ لهم من ذلك فَلَوْ قالوا: بعد عدد قطرات البحار وحبات الرمل لو كانت كل قطرة وحبة مليون سنة تفنى النار لرجعوا عن قولهم بالدوام فأيّ شيء هذا وأي عقول هذه؟ [1]

(1) كذلك لوْ قالوا: لا نقول: تدوم بدوام الله فهذا إقرار بفنائها ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت