فهرس الكتاب
ثم أن هذه النفوس الظالمة الكافرة لها بداية وتوسط ونهاية، فهي في بدايتها قابلة للحق والعدل، ولهذا لم يعذبها الله في هذه الحال، وأن علم منها أنها أنما تختار للكفر وإما في حال توسطها من حيث عقلت وقامت عليها الحجة فإنها استحقت العذاب حينئذ لأن العقوبة مع الجناية فاقتضت الحكمة تأخيرها إلى دار الجزاء لعلها أن تراجع الحق فضرب لها مدة الحياة أجلا وأمدا تتمكن فيه من الرجوع إلى الحق واستدراك الفارط، إما لم تفعل ذلك ختم عليها العقوبة، ومعلوم أنها إنما استمرت في مدة الحياة على غيها وكفرها لقيام الأسباب التي زينت لها ذل ولولا تلك الأسباب لآثرت رشدها فله مقتضى فطرتها ولا ريب أن تلك الأسباب تبطل وتضمحل في الآخرة ولاسيما في دار العذاب، بل إنما وضعت تلك الدار لازالة تلك الشرور، وكيف تدوم تلك الأسباب وقد ذاقوا عقوبتها وألمها الشديد، وتيقنوا أنها كانت أضر شيء عليهم وندموا عليها أعظم الندم، وليس في الطبيعة الإنسانية الإصرار على تلك الأسباب وإيثارها بعد طول التألم الشديد بها نعم العذاب باق مابقيت، فإذا قدر زوالها وتبدلها وإقرار أصحابها على أنفسهم أنهم كانوا ظالمين، وأن الله تعالى إنما عذبهم بعدله وشهدوا على أنفسهم أنهم لايصلح لهم غير ماهم فيه من العقوبة، وأن حمده سبحانه أنزلهم تلك الدار، فقام بقلوبهم حمده وشكره والثناء عليه بموجب اسمائه وصفاته التي كانت في فطرهم أولًا، وحمدوه حمد محب معترب بالجلية وآثروا رضاه على كل شيء فلو قام هذا بقلوبهم حقيقة وعلمه الله منهم لصارت النار بردًا وسلامًا عليهم، كما في الأثر المرفوع الذي ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب (حسن الظن بالله) أن رجلين ممن دخلا النار استد صياحهما فقال تعالى: أخرجوهما، فأخرجا فقال: لأي شيء استد صياحكما؟ قالا: فعلنا ذلك لترحمنا قال: رحمتي بكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما في النار، قال فينطلقان، فيلقي أحدهما نفسه فيها، فيجعلها الله