فهرس الكتاب
فهؤلاء لما آثروا مرضاته بالعذاب على مرضات أنفسهم، وقام بقلوبهم أن رضاه في تعذيبهم أحب إليه من رضائهم في خلافه استحالت النار في حقهم وانقلبت بردًا وسلامًا، وهذا أمر مشاهد في الواقع بين الناس، وهو في اقتضائه رفع العقوبة نظير اقتضاء التوبة بدفعها فإن المذنب لو بلغت ذنوبه عنان السماء إذا ألقى نفسه بفناء من أساء إليه وتوسد عتبة بابه فوضع خده عليها مستسلمًا مسلما نفسه إليه ليقضي فيها ما أراد، راضيًا بما يقضيه فيها حامدًا له عليه، علما أن الحق له، وقد سلم إليه محل الحق يستوفيه منه، فإنه متى فعل ذلك اذهب مافي قلب من أساء إليه من الحنق والغيظ وعاد مكان الغضب عليه رقة ورحمة هذا مع حاجته وبلوغ أذاه ووصوله إليه وقلت صبره وضعف احتماله فكيف بالغني الحميد الذي لن يبلغ العباد ضره ولا نفعه، فلا تزيد عقوبتهم في ملكه شيئًا وهو أرحم الراحمين فهذا القدر من وجده في قلبه في الدنيا لم يدخل دار الشقاء إلا تحلة القسم ومن لم يظهر له هذا في الدنيا فإنه سيعلمه يقينا في الآخرة كما قال تعالى: {فاعترفوا بذنبهم} وقال: {فعلموا أن الحق لله} وقال تعالى: {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل} فلا شيء انفع لهم في عذابه من حمده والثناء عليه ومحبته على كماله وعدله فيهم، وقولهم: أن كان هذا رضاك فلا نطلب غيره ويشتد غضبهم على نفوسهم ومقتهم لها موافقة لغضب ربهم ومولاهم ولكن هذا القدر لا تسمح به النفوس اللئيمة الجاهلة الظالمة اختيارًا فإذا عوقبت بما تستحق وبلغ منها العذاب مبلغه وكسرها وأذلها، فإن أراد بها خيرًا أشهدها ذلك وجعله حاضرًا عندها، فالرحمة حينئذ أدنى إليها من العقوبة، والعفو أقرب إليها من الانتقام، فإن أراد بها بارئها وفاطرها إن يرحمها الهمها ذلك فانتقلت به من حال إلى حال، فإن شاء أنشأها بعد ذلك نشأة أخرى وطبعها على غير طبيعتها الأولى، فهو على كل شيء قدير، وهو