فهرس الكتاب
الوجه الرابع: أن الذي يخلقه الله سبحانه ويقدره من الأمور نوعان: غايات ووسائل وقداقتضت حكمته أن الوسائل تضمحل وتبطل إذا حصلت غاياتها كما يبطل للسفر عند بلوغ المنزل، ويزول الأكل والشرب عند حصول الشبع والري والخيرات والمنافع هي الغايات المقصودة لنفسها، والشرور والآلام إنما تقصد قصد الوسائل، لا فضائها إلى الخيرات والمنافع، وما كان مقصودًا لنفسه فإن بقاءه ودوامه هو مقتضى الحكمة، وأما إذا كان مقصودًا لغيره فإذا حصل ذلك المقصود به لم يكن في دوامه وبقائه حكمة ولا مصلحة، والله تعالى خلق النار سوطا يسوق بها عبادة إلى رحمته وجنته، ويخوفهم بها من معصيته، ويطهر بها من اكتسب من عباده خبثًا ونجاسة، ولايصلح بها لماكنته في جنته، وعقوبته يعاقب بها أعداءه على مقادير جرائمهم وهذا كلها أمور مقصودة لغيرها مفضية إلى مصالح مقصودة لنفسها.
يوضحه الوجه الخامس أن الله سبحانه جعل الشدائد والآلام والشرور في هذه الدار بتراء لا دوام لها، وجعل الشدة بين فرجين فرج قبلها وفرج بعدها، والعسر بين يسرين والبلاءيين عافيتين، فليس عنده شدة دائمة، ولا بلاء دائم، ولا كرب دائم في هذه الدار التي هي دار ظلم وبلاء، وخيراتها ممزوجة بشرورها، وذلك أن الآلام والشدائد شرور، والشر ليس إلى الله بخلاف الخيرات والنعم فإنها من مقتضى اسمائه وصفاته، فهي دائمة بدوامه، ومعلوم أن الدار التي هي حق من كل وجه أولى أن يكون الدوام لخيراتها ولذاتها ومسراتها وإن تكون شرورها إلى اضمحلال وزوال، يوضحه.
الوجه السادس أن القاء الإلهي خير كله فإن مصدره علم الله وحكمته وكماله المقدس، فهو خير كله ومصلحة وحكمة وعدل ورحمة، ودخول الشر فيه بالعرض لا بالذات، كالشر العارض من الحر والبرد والمطر والأكل والشرب والأعمال النافعة وما بالعرض لايقصد لذاته، فلا يجب دوامه كدوام مايقصد لذاته من الخيرات والمنافع.