الصفحة 89 من 145

الوجه السابع: إنك إذا اعتبرت هذه الآلام والشدائد والنعمة والرحمة وشرها فظاهرها نقمة وباطنها نعمة؛ فكم نقمة جلبت نعمة؛ وكم من بلاء جلب عافية، وكم من ذل جلب عزا، وكسر جلب جبرًا، إذا اعتبرت أكثر الخبرات والمسرات واللذات وجدتها إنما ترتبت على الآلام والمشاق، وأعظم اللذة وأجلها ماكان سببه أعظم لها ومشقة، وهذا مشاهد في هذه الدار بالعيان، ولما كانت أعلى الدرجات درجة أهل الجهاد كان أشق شيء على النفوس وأكرهه إليها قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كُره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شرٌ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ولهذا قيل:

وربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببًا ما مثله سبب

فلا يوصل إلى الراحة واللذة إلا على جسر التعب والألم، وهذا يريك أن المصائب والآلام حشوها نعم ولذات ومسرات؛ وهذا لأن الرحمة لها السبق والغلبة، فما في طي النقم والعقوبات من الرحمة أسبق من العقوبة؛ وهي الغاية للغضب فلابد أن يغلب أثرها أثر الغضب كما غلبت الصفة للصفة.

يوضحه الوجه الثامن: أن الرحمة سبقت إلى هذا المعاقب وظهر أثرها فيه فوجد بها وعاش وسمع وأبصر بها وبطش بها ومشى بها وتحرك بها وإلا لولا أنها سبقت إليه لم يكن له قيام ولا حياة بل إنما استظهر بها وإلا لولا أنها سبقت إليه لم يكن له قيام ولا حياة بل إنما استظهر على معاصي الرب ومخالفته بالرحمة التي سبقت إليه ووسعته فغلبت أسباب هلاكه وتلفه فلما تمكنت أسباب التلف والهلاك واقتضت الرحمة أن جعل لها أسباب في مقابلتها من موجبها ومقتضاها تنزيلها ومحو أثرها ليخلص موجب الرحمة فيظهر أثره ودوام العذاب بدوام تلك الأسباب فلو زالت لزال العذاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت