الصفحة 90 من 145

يوضحه الوجه التاسع: أن هذه النفوس فيها مايقتضي الرحمة من إقرارها بفاطرها وربوبيته وعلمه وقدرته وسمعه وبصره ومحبته وتعظيمه وإجلاله وسؤاله وفيها مايقتضي الغضب والعقوبة كالشرك به وإيثار هواها على طاعته ومرضاته ولما كان مقتضى العقوبة فيها أقوى كان الحكم له ومعلوم أن العقوبة أن لم تذهب الأسباب المقتضية لها ولم تزلها بالكلية فإنها تخففها وتضعفها، فأما أن تقاوم أسباب الرحمة وأما أن تترجح عليها، وعلى التقديرين يبطل أثرها قال الله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولنَّ الله} وقال تعالى: {قُل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون. سيقلون لله} . إلى آخر الآيات فهم يعلمون أن الأرض ومن فيها له، وأنه رب السموات والأرض ورب العرش العظيم، وأن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولايجار عليه، وإذا مسهم الضر في البر والبحر تضرعوا إليه وفزعوا إليه وقالوا: أن مانعبد من دونه هذه الآلهة لتقربنا إليه، وتشفع لنا عنده، وهو يملكها ونواصيها بيده ويحبونه ويقصدون التقرب إليه، وهذا مما وضعه فيهم برحمته ونعمته، فعلم فيهم ما يقتضي رحمته ونعمته، ولكن لما غلبت أسباب النقمة كان الحكم للغالب، وذلك لايمنع اقتضاء المغلوب أثره وترتبه عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت