الصفحة 92 من 145

الوجه العاشر: أن أسباب العذاب من النفس وغاياتها اتباع أهوائها وأما أسباب الخير فمن ربها وفاطرها وهو الغاية والمقصود بها فهي به وله، قال الله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله. وما أسابك من سيئة فمن نفسك} فالحسنات مصدرها من الله وغايتها منتهيه إليه، والسيئات من النفس وهي غايتها قال الله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} فليس للحسنات سبب إلا مجرد فضل الله ومنته، والأعمال الصالحة وإن كانت أسباب النعم والخيرات فمن وفقه لها وأعانه عليها وشاء ماله ساه؟ فالنعم وأسبابها من الله، وأما السيئات التي أسلفها العبد فمن نفسه، وسببها جهله وظلمه، فإذا ترتبت عليها سيئات الجزاء كان السبب والمسبب من نفسه، فليس للجزاء السيء في الدنيا والآخرة سبب إلا ذنوب العبد التي من نفسه فالشر كله من نفسه والخير كله من ربه فإن أكثره ليس للعبد فيه مدخل، فإن الله هو الذي أنعم عليه به ولهذا قال بعض السلف (لا يرجونَّ عبد إلا ربه، ولا يخافنَّ إلا ذنبه) ولهذا قال تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} فخص بالخطاب تنبيهًا على الأدنى ولم يخرجه في صورة العموم لئلا يتوهم متوهم أنه عام مخصوص، فكان ذكر الخالص أبلغ في العموم وقصده من ذكر العام فتأمله فإنه أسلوب عجيب في القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت