فهرس الكتاب
والمقصودان سبب الحسنات كلها هو الحي القيوم الذي لم يزل ولايزال وهو الغاية المقصودة من فعلها فتدوم بدوام سببها، وأما السيئات فسببها وغايتها منقطع هلك فلا يجب دوامها فتأمل هذا الوجه فإنه من الطف الوجوه، فإن الأسباب تضمحل باضمحلال غاياتها وتبطل ببطلانها، ولهذا كان كل عمل باطلًا إلا ما أريد به وجه الله، فإن جزاءه وثوابه يدوم بدوامه وما لم يرد به وجه وأريد به مايضمحل ويفنى فإنه يفنى بفنائه قال الله تعالى: {وقدمنا إلى ماعملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا} وهذه هي الأعمال التي كانت لغيره فكما أن مالا يكون فما كان لغيره لايدوم ولهذا كان لبعض حكم الله تعالى في تخريب هذا العالم أن يشهد من عبد شيئًا غيره أنه لايصلح للعبادة والألوهية ويشهد العابد حال معبوده، والمقصودان النعم تدوم بدوام سببها وغايتها وأن الشرور والآلام تبطل وتضمحل باضمحلال سببها.
فهذه الوجوه وغيرها تبين أن الحكمة والمصلحة في خلق النار تقتضي بقاءها ببقاء السبب والحكمة التي خلقت له فإذا زال السبب وحصلت الحكمة عاد الأمر إلى الرحمة السابقة الغالبة الواسعة.
يزيده وضوحا الوجه الحادي عشر: أن الرب يستحيل أن يكون إلا رحيما فرحمته من لوازم ذاته ولهذا كتب على نفسه الرحمة ولم يكتب على نفسه الغضب فهو لم يزل ولا يزال رحيما ولايجوز أن يقال أنه لم يزل ولا يزال غضبان، ولا أن غضبه من لوازم ذاته، ولا أنه كتب على نفسه العقوبة والغضب ولا أن غضبه يغلب رحمته ويسبقها.