الصفحة 17 من 20

وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) [الذاريات] ، {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر:7] .

الوجه السادس: أن عدم القصد مع التسبب لو كان معتبرًا في المسبب، لم يكن على السكران سبيل في التأثيم إذ رفع بسكره عن نفسه أحكام التكليف، وكذلك المجنون والصبي والنائم في تضمين المتلفات، فكون الشيء سببًا إنما هو من قبيل خطاب الوضع، وجهة التكليف في السبب المبحوث هو امتثال حكم الشارع في الدخول في السبب أو عدمه، فيشترط له من هذه الجهة ما يُشترط لخطاب التكليف، وأما جهة الوضع بعد اختيار الدخول في السبب فخليَّة عن ذلك.

الوجه السابع: أن المجيز لا ينازع في أن مسبب السبب الذي أباحه أو أوجبه كفر، وإذا كان الدخول في السبب الملازم لمسببه بمنزلة الدخول في المسبب، وقد قطعنا بأن الله لم يُبح الكفر إلا للمكره، فقد تبينا حرمة الدخول في السبب من جهة أن الله لم يكلفنا بالكفر قط ولا هو يرضاه لنا، وإذا كان اقتراف الكفر منهيًا عنه من جهة خطاب التكليف لم يكن من جهة خطاب الوضع مصلحة، قال الشاطبي رحمه الله: (الشارع لم يمنع الأشياء في خطاب التكليف ليحصل بها في خطاب الوضع مصلحة، فليست إذًا بمشروعة في ذلك التسبب [1] .

الوجه الثامن: وإذا تحقق كون المسبب لازمًا لفاعل السبب حيث دخله باختياره مع علمه بمقتضاه، فاقتراف الكفر أعظم مفسدةٍ في الوجود، وكل

(1) الموافقات (1/ 232) بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت