فهرس الكتاب
مصلحة كانت هذه المفسدة ملازمة لها فهي مهدرة، إذ الأسباب المشروعة أسباب للمصالح لا للمفاسد، كما أن الأسباب المحظورة أسباب للمفاسد لا للمصالح، وتضمن السبب المشروع لمفسدة لا يكون إلا من حيث كانت المصلحة أعظم وأكبر، وتضمن السبب الممنوع لمصلحة لا يكون إلا حيث كانت المفسدة أطغى وأكبر، وقد علمت أن مفسدة الوقوع في الكفر أطغى على كل مصلحة.
الوجه التاسع: أن فعل الغير للكفر العظيم لا يعادله فعلنا للكفر الأقل منه، فالمفسدة الأولى أدنى من المفسدة الثانية من جهة اعتبار خطاب التكليف، بل لو كفر أهل الأرض كلهم جميعا فليست مفسدة كفرهم أعظم من مفسدة ارتكابك أنت للكفر، وحينئذٍ فتصوير مسألة التصويت للدستور من قِبَل المجيزين قد دخلها الخطأ والغلط من جهة تحديد أكبر الضررين، فإن ما صوروه مضرة أكبر هو فعل الغير، وما جعلوه مضرة أقل هو فعلنا، فأهملوا جهة التكليف في وزن مقادير الأضرار!
الوجه العاشر: أن زعمهم أن العقل والشرع يدلان على ارتكاب أخف الضررين دفعًا لأعلاهما، مع إقرارهم بأن الضرر الأخف هو كفر، زعمٌ يرده الشرع والعقل، وفيه ما تقدم، وأزيد هنا بيانًا لشناعة القول، بالتمثيل له بنازلة خُيِّر الناس فيها في ظل منظومة ديمقراطية إلى اختيار أحد دستورين، وقد نصت بعض مواد الدستور الأول على قتل علماء البلد، ونصت بعض مواد الدستور الثاني على قتل أكثرهم، والحكم في الدستورين نافذ بمجرد إقرار الدستور، فهل يسوِّغ المشايخ التصويت لأحد الدستورين؟! أم يصيحوا