الصفحة 42 من 58

إن ما ذكرناه آنفا من أن المشاركة في الإنتخابات كفر و خروج عن دين الإسلام، إنما هو حكم عام، و كما هو معلوم و مقرر عند أهل العلم أن الكفر العام لا يستلزم دائما الكفر المعين، فقد يقع زيد مثلا في فعل مكفر أو اعتقاد مكفر إلا أنه لا يقع عليه الكفر و لا نسميه كافرا لسبب وهو وجود مانع من موانع التكفير المعتبرة عند أهل العلم كالإكراه أو التأويل المستساغ ....

و لنا في هذا الأمر مثال وهو الصحابي الجليل عمار بن ياسر لما طلب منه قريش أن يكفر و أكرهوه على ذلك بالتعذيب فوافقهم على ذلك مع اطمئنان قلبه بالإيمان، فأنزل الله تعالى قوله:

مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106)

وقال ابن كثير في (تفسير القرآن العظيم ج4 ص605) :

وقد روى العَوفِيّ عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في عمَّار بن ياسر، حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فوافقهم على ذلك مُكرَها (7) وجاء معتذرًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية، وهكذا قال الشعبي، وأبو مالك وقتادة. هـ

فعمار قد قال كفرا إلا أنه لم يقع عليه لأنه معذور بالإكراه و في حقه مانع من موانع التكفير.

أما في مسألتنا هذه فاقول:

لا يلزم من قولنا أن المشاركة في الإنتخابات كفر أننا نكفر كل من شارك فيها من الناس، و ليس هذا من باب اللين و لا من باب التساهل بل هو من باب الحق و من باب العدل في إنزال أحكام الله عز وجل.

و إن الناظر إلى أحوال الناس و العوام المشاركين في الإنتخابات ليعلم علم اليقين أن هؤلاء الناس أغلبهم يجهلون حقيقة هذه الإنتخابات و لا يقصدون هذا الفعل المكفر أصلا، فهم لا يعلمون أن هذا البرلماني هو عبارة عن مشرع من دون الله يقسم على ولاء الدستور و القانون الوضعي بل يظنون أنهم أناس يسعون لإصلاح البلاد من الفساد أو مشتغلون بالحياة العامة و قد يغررون بأن النائب الفلاني إسلامي فيدعون الناس لانتخابهم ليصلح حال الإسلام و المسلمين .... فالكثير من الناس تجهل هذه العملية و لا يخطر ببالها أن ذلك البرلماني هو طاغوت محارب لدين الله.

فلا بد في هذا الباب من التفريق بين من يعرف حقيقة هذه البرلمانات و أنها قائمة على التشريع و على الشرك أو يعرف حقيقة الرئيس و أنه حاكم بغير ما أنزل الله و محارب لدين الله، و بين من يشارك في الإنتخبات و هو جاهل بحالها و واقعها، فالأول يكفر لأنه عرف حقيقة المسألة و مع ذلك فقد شارك و أيد الطاغوت في كفره و شركه أما الثاني فهو جاهل بالحال فيعذر لانتفاء قصده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت