أجيب بأن تقديم الله سبحانه في الخمر لا يبيح للعباد أن يقدموا في تحريمها، وكونه سبحانه أكمل الدين على مدى ثلاثة وعشرين عامًا لا يسوغ للعباد أن يطبقوه منجمًا على عدد هذه السنين، وكون التشريع فيه المكي والمدني لا يسوغ تعطيل الأحكام المدنية إلى ما بعد قيام الدولة، إلا ما جعله الله من اختصاص الدولة.
وإن أريد بالتدرج؛ محاولة إدخال بعض الأحكام في دساتير وقوانين الدول التي تحكم بغير ما أنزل الله اليوم، فأقل ما يقال فيه إنه سذاجة وقصر نظر.
وأما حديث جابر الذي أخرجه أحمد؛ ففيه ابن لهيعة وهو ضعيف، ورواية ابي داود له مما يحتج به، مع أن المنذري سكت عنه.
وهو يفيد بمفهومه لا بمنطوقه؛ أن رسول الله قبل من ثقيف شرطهم في وضع الصدقة والجهاد عنهم، وذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: (سيتصدقون ويجاهدون) ، فقوله هذا يقتضي أنه قبل شرطهم، فدلالته من قبيل دلالة الاقتضاء وهي من المفهوم، وهو يعارض منطوق حديث عبد الله بن عمر في النهي عن التخير، كما يعارض منطوق حديث بشير بن الخصاصية الذي لم يقبل فيه رسول الله أن يضع عنه الجهاد والصدقة، ويعارض منطوق حديث الوفد عند ابن القيم؛ إذ لم يقبل صلى الله عليه وسلم أن يبقي لهم صنمهم ويبيح لهم الزنا والربا والخمر، ويعارض رواية ابن هشام في وضع الصلاة عنهم وحديث عثمان بن أبي العاص في أن لا يجبوا ... وإذا تعارض المنطوق مع المفهوم رجح المنطوق.
وأيضًا إذا تعارض الخبر الدال على الوجوب؛ رُجّح على الخبر الدال على الإباحة، وخبر ابن الخصاصية دال على الوجوب، فيرجح على خبر جابر الدال على الإباحة.
إلا أنه يمكن رفع التعارض وإعمال الدليلين، وذلك أولى من إهمال أحدهما، وذلك بأن يقال؛ إن إعفاء ثقيف من الجهاد والصدقة خاص بثقيف، بدليل أن رسول الله علم أنهم سيتصدقون ويجاهدون، وهذا هو قول راوي الحديث جابر رضي الله عنه.
فقد أخرج صاحب"عون المعبود"قال: (وسئل جابر عن اشتراط ثقيف أن لا صدقة عليها ولا جهاد، فقال: علم أنهم سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا) .
وهذا العلم لا يتأتى لغير رسول الله فيبقى خاصًا بثقيف.
وأما حديث عثمان بن أبي العاص؛ الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: (إن لكم أن لا تحشروا ولا تعشروا) .