فهرس الكتاب
إذًا اتفق الحفيدان على أن المقصود بالشرك هو الأصغر ويدل عليه من كلام المصنف قوله سادات الأولياء فالغالب أن الذي يقع من سادات الأولياء الشرك الأصغر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خاطب سادات الأولياء: (وإن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) فأخوف ما يخاف على سادات الأولياء الشرك الأصغر ويحصل الثناء على الأولياء إذا تركوا الشرك الأصغر. ويدل عليه أيضا نفس الآية، فالآية وصف للسابقين كما قال صاحب التيسير (ص78) قال: لما ذكر هذه الآية أن الله تعالى وصف المؤمنين السابقين إلى الجنات أعظمها الثناء عليهم بأنهم بربهم لا يشركون أي شيئا من الشرك في وقت من الأوقات فإن الإيمان النافع مطلقا لا يوجد إلا بترك الشرك مطلقا أهـ. وإذا استعرضت ما قبل هذه الآية وما بعدها تبين لك أنها في صفات المؤمنين السابقين اهـ
ومن هنا نعرف طبيعة المرتبة الثانية من مراتب تحقيق التوحيد وهي ترك الشرك الأصغر وأن من ترك الشرك الأصغر فقد كمل توحيده وحقق توحيده وهذه المرتبة ذكرها صاحب الفتح وتابعه على ذلك صاحب إبطال التنديد 0
و لكن في النفس شئ من الكلام السابق خصوصا ما صرح به الحفيدان من أن المقصود من التحقيق هنا ترك الشرك الأصغر.
والذي يظهر لي أن النفي هنا في قولة (لا يشركون) ليس نفيا محضا إنما نفي يراد به الإثبات أي لا يشركون لكمال توحيدهم وتعلقهم بالله ولمبالغة بعدهم عن الشرك. وسبب هذا الكلام أن ترك الشرك الأصغر ليس من باب تحقيق التوحيد بل من باب الإتيان بأصل التوحيد الواجب.
وقد يحتمل أن قولة (لا يشركون) تحمل على الشرك الخفي حسب اختيار المصنف (وهو تقسيمه الشرك إلى أكبر وأصغر وخفي) ، أو أنها من باب الاستدلال بالأكبر (ولا أعني الشرك الأكبر بل كل شيء له أكبر وأصغر) على ما هو أصغر منه.
أو يقال أن نفي الشرك عنهم هنا مثل نفي ذلك عن إبراهيم علية السلام في قوله (ولم يك من المشركين) ومثل نفيه عن الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله (ولا تكونن من المشركين)
أو يحمل على كلام الحفيد سليمان (ص78) أنه نفى أن يقع منهم شرك في أي وقت من الأوقات أهـ، أي لا يتصور منهم الشرك بل هم الغاية في البعد عن الشرك، ومما يدل على أنه لا يراد به الوقوع في الشرك الأصغر قول الحفيد عبد الرحمن في أول الباب أن تحقيق التوحيد هو ترك شوائب الشرك ولم يصرح بأنه ترك الشرك الأصغر وتفسير الحفيد عبد الرحمن أقرب لروح الباب ويمكن أن يفسر به كلام المصنف ومن ثَم نخرج من الأشكال وتتضح المسألة.
ويكون الشيخ عبد الرحمن رحمه الله بلغ الغاية في الدقة في تعبيراته حينما قال (شوائب الشرك) ولم يقل الشرك عندما ذكر مراتب تحقيق التوحيد في مقدمة الباب، لكن عندما شرح الآية (ص61) ترك هذه اللفظة المتقنة الدقيقة وتابع الحفيد سليمان في شرحها، ولا أدري لماذا تنازل