الصفحة 18 من 19

وأقسم الله جل وعلا إقسامًا سماويًا من رب العالمين على أنه لا إيمان لمن لم يحكم رسول الله فيما جاء به من الله خالصًا من قبله في باطنه وسره وذلك في قوله (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .

فبين الله جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه أن الحكم له وحده لا شريك له في حكمه، وجاء بكل ما ذكر من اختصاصه بالحكم أوضح العلامات التي يفرق يها بين من يستحق أن يحكم ويأمر وينهى ويشرع ويحلل ويحرم وبين من ليس له شيء من ذلك قال تعالى (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) وقال تعالى (لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ) وسنبين لكم أمثلة من ذلك.

من ذلك قوله في سورة الشورى (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) ثم إن الله كأنه قال: هذا الذي يكون المرجع إليه والقول قوله والكلمة كلمته حتى يردّ إليه كل شيء اختلف فيه ما صفته التي يتميز بها عن غيره قال: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) ثم بين صفات من يستحق الحكم والتشريع والتحليل والتحريم والأمر والنهي فقال: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .

هذه صفات من له أن يحكم ويحلل ويحرم ويأمر وينهى أفترون أيها الإخوان أن واحدًا من هؤلاء القردة والخنازير الذين يضعون القوانين الوضعية أفيهم واحدًا يستحق هذه الصفات -التي هي صفات من يحكم ويحلل ويحرم ويأمر وينهى: ومن الآيات الدالة على هذا النوع قوله تعالى في سورة القصص: (وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) .

ثم بين من له الحكم فقال: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ، وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) .

هل من القردة والخنازير الذين يضعون النظم ويزعمون أنهم يرتبون بها علاقات الإنسان ويضبطون بها شئونه، هل من هؤلاء من يستحق أن يوصف بهذه الصفات التي هي صفات من له أن يحكم ويأمر وينهى ويحلل ويحرم؟ ومن ذلك قوله تعالى في أواخر سورة القصص: (وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) .

والآيات في ذلك كثيرة جدًا.

والحاصل أن التشريع لا يكون إلا للأعلى الذي لا يمكن أن يكون فوقه أمير ولا ناهي ولا متصرف، فهو السلطة العليا، أما المخلوق الجاهل الكافر المسكين فليس له أن يحلل أو يحرم والعجب كل العجب من قوم كان عندهم كتاب الله عز وجل وورثوا الإسلام عن آبائهم وعندهم هذا القرآن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت