بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آل وسلم وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. وإن من أعظم البدع في الدين البدعة في المعتقد ومن أعظم بدع العقيدة التي ابتدعت في العصر الحديث إعتقاد أن التحاكم إلى شريعة غير شريعة الله من القوانين الوضعية الجاهلية التي هي زبالة أفكار البشر وحثالة أذهانهم والتي حكم على جميعها خالقنا جل وعلا بأنها هوى في قوله: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) فجعل ما سوى الحق هوى مُضِلًا، إعتقاد أن ذلك أمرٌ غايته أن يكون فسقًا أو خطأ مغتفرًا هذا إن لم يوجد لفاعله المعاذير والحجج التي تخرجه من دائرة الذنب بله الفسق فضلًا عن الكفر.
وتحكيم هذا الهوى والضلال والطاغوت (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) - (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) - أقول تحكيم ذلك كله في أنفس الناس وأعراضهم وأموالهم أشد جرمًا وأعظم ذنبًا وفاعله يحمل وزره ووزر من أجبرهم على التحاكم إليه (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) .
وكلا الأمرين مما عمت به البلوى في جميع بلاد المسلمين بلا استثناء وقد قال صلى الله عليه وسلم أول ما تفقدون من دينكم الحكم وآخر ما تفقدون منه الصلاة"وصح عنه صلى الله عليه وسلم"حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحًا"."
ومما يوضح عموم البلوى المشار إليه آنفًا أن نعلم عظم جرم الانتقاء من شرع الله فيطبق بعضه ويترك بعضه (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) .
(فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) فترك الأمة المسلمة اليوم حظًا من هذا الذكر وإعراضها عنه - (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) - هو سبب ما هي فيه من تفرق واختلاف فليس في الدنيا عداوة وبغضا وتفرق واختلاف بين أمة محمد إلا وسببه ترك بعضهم بعض ما ذكروا به كما أفاد ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية أخذًا من هذه الآية.