الصفحة 3 من 19

أعود فأقول إن هذا هو حال حكام الأمة اليوم، إنتقاء بعض ما ذكروه به مما يروق لهم ولا يزعجهم ولا يتعارض مع مصالحهم ولا يحرجهم مع أسيادهم الغربييين فهذا يكتفي من الشريعة بالأحوال الشخصية وذاك يطبقها في الحدود وينبذها في الاقتصاد والعلاقات الدولية والجهاد وغيرها كثير، ينبذها وراءه ظهريا وآخرون ينبذونها حتى في الأحوال الشخصية والجميع في دين الله حكمهم واحد لأن من نبذ آية فكأنما نبذه كله وصدق على الجميع قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) .

ومن البدع في العقيدة أيضًا إعتقاد أن حكم الشعب لنفسه -الديموقراطية- أمر سائغ لا غبار عليه فلا بأس عند كثيرين أن يكون الشعب هو مصدر التشريع بل ربما تحمّس لذلك بعض الطيبين قائلين إن الشعب إذا ترك له الخيار فلن يختار إلا الإسلام وعرب عنهم أن الإسلام يجب أن يتحاكم إليه طوعًا أو كرها ولو كان غالبية الشعب لا يريده فلا عبرة برأيهم (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ، (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ، (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) . والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا.

ولما كانت أطروحتي في الماجستير حول منهج الشيخ الإمام القدوة محمد الأمين الشنقيطي (رحمه الله) في كتابه الفذ"أضواء البيان في إيضاح القرآن"لفت نظري بحثه لجميع هذه المسائل التي ذكرت ولغيرها مما يتعلق بمسألة الحكم بما أنزل الله بحثًا مفصلًا مدعمًا بالأدلة والشواهد من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان غاية في الجودة والقوة والوضوح فرأيت من حق هذا الجهبذ علي ومن حق الأمي عليّ أن أخرج لها كنوز أحبارها وأئمتها لا سيما عند مسيس الحاجة إلى هذه الكنوز -فما كان مني إلا أن قمت باستخراج كلامه (رحمه الله) على هذه المسألة وهو في ثلاثة مواضع من الأضواء:-

الأول: عبد قوله تعالى من سورة الإسراء (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) .

الثاني: عند قوله تعالى: (وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) من سورة الكهف.

الثالث: عند قوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) من سورة الشورى.

أما الموضع الرابع فليس من كلامه في الأضواء بل قام بعض الإخوة بتفريغة من كلامه المسجل بصوته على شريط الكاسيت صمن دروسه في المسجد النبوي في تفسير قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) .

وفي الختام أسأل الله أن ينفع بها كاتبها وقارئها ويتغمد بواسع رحمته قائلها إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

كتبه

عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت