الصفحة 48 من 56

* فهذا مسجد تقام فيه الصلاة كان يمكن أن يُبعِد الرسول صلى الله عليه وسلم عنه رؤوس النفاق ويأمر مسلمين صالحين بعمارته، ولكن كما روى في التفاسير أن الله تعالى أمره بحرقه، لأن أساسه النفاق ومحادة الله ورسوله، يقول ابن القيم في زاد المعاد عقب ذكر تلك القصة، في ذكر ما يستفاد من ذلك:"ومنها تحريق أمكنة المعصية التي يعصى فيها الله ورسوله، وهدمها، كما حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار، وهو مسجد يصلّى فيه، ويذكر اسم الله فيه، لما كان بناؤه ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين، ومأوى للمنافقين، وكل ما كان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله، إما بهدمه وتحريقه، وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له، وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار فمشاهد الشرك التي تدعو سدانتها إلى اتخاذ من فيها أرباباَ من دون الله أحق بذلك وأوجب"ا. هـ فذلك المجلس التشريعي من أعظم مشاهد الشرك، ومن فيه جعلوا أنفسهم أو جُعِلوا أربابًا يحلون ويحرمون من دون الله، سواء بأمرهم أو بقهر الطاغوت وتسويله، وهم له مشايعون، فالطريق هو هدم هذا المشهد الشركي بإذن الله، والسعي بذلك إذا مكن الله المسلمين [ويتأكد هذا الحكم بالأدلة الصحيحة في وجوب إزالة المنكر، وبهدمه صلى الله عليه وسلم للأوثان والطواغيت كما مكنه الله تعالى] ، ومعلوم أن تغييره وإخراجه عما وضع له -وهو التشريع من دون الله تعالى- لا يتم بدخوله، فإن من فيه خاضعون للدستور كما ذكرنا أول الباب، وإلا فالذي يستطيع تغيير هذا كله، وإجبار الطاغوت على الاستسلام لهذا التغيير، يكون له من القوة ما يمكن له فعل ذلك وهو خارج المجلس أيضًا، هذا مما لا يمارى فيه إلا من لا يتورع عن الجدال بالباطل والكذب.

(9) - فالقول ما ذكرنا وهو الدعوة إلى الله عز وجل دعوة صحيحة إلى التوحيد، والصبر على الأذى فيها، والجهاد في سبيل الله حتى تعلو كلمة الحق، وتنهدم تلك المشاهد الشركية، ولا ندخلها أبدًا.

(10) - وفي تفسير القرطبي ما روى من"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت الآيات في شأن مسجد الضرار كان لا يمر بالطريق الذي فيه المسجد، وأمر بموضعه أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف والإقذار والقمامات"وفيه"أن بناء الكافر كبناء على جرف جهنم ينهار بأهله فيها"وعند القاسمي: (لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا) : القيام: الصلاة، في أي وقت من الأوقات لكونه موضع غضب الله، ولذلك أمر بهدمه وإحراقه"... وعند القرطبي:"قال العلماء: من كان إمامًا لظالم لا يُصلى وراءه إلا أن يُظهر عذره أو يتوب، فإن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء سألوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمع بن جارية أن يصلى بهم في مسجدهم، فقال: لا، ولا نعمة عين، أليس بإمام مسجد الضرار؟ فقال مجمع: يا أمير المؤمنين، لا تعجل عليّ فوالله لقد صليت فيه، وأنا لا أعلم ما قد أضمروا عليه، ولو علمت ما صليت بهم فيه، كنت غلامًا قارئًا للقرآن، وكانوا شيوخًا قد عاشوا على جاهليتهم، وكانوا لا يقرأون من القرآن شيئًا، فصليت ولا أحسب ما صنعت إثمًا، ولا أعلم بما في نفوسهم، فعذره عمر رضي الله عنه، وصدقه، وأمره بالصلاة في مسجد قباء". ا. هـ، لذا قلنا: إن من دخل هذا المجلس لنا ظاهره الذي يحمل إقرار أن يكون هناك مجلساًَ تشريعيًا، وقد أعلمناه بالأمر إن قال: نيتي كذا، فليس له إلا أن يعلن توبته، ويتبرأ من هذا المجلس."

(11) - فإن قلت: إن في دخولي هذا المجلس من المصالح ما لا يتحقق خارجه، مثل المطالبة بشرع الله تعالى: قلنا: هذا يتضمن قضيتين: قضية المصالح، وقضية المطالبة بالشرع من خلال هذا المجلس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت