الصفحة 49 من 56

أما القضية الأولى: فليس كل ما فيه مصلحة يكون مشروعًا، فإن الله أثبت أن الخمر والميسر منافع مع تحريمها (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) ، فما من أمر إلا فيه منفعة من جانب، ومضرة من جانب، ولذا تنازع العلماء في اعتبار المصالح المرسلة من الأدلة، واعتبره بعضهم من التقول على الله تعالى، حيث يجعلون الشيء حلالًا في وقت، وحرامًا في وقت، وما من قاعدة إلا ويستدل بها الطرفان كل حسب تفسيره ونظرته، ولذا أورد عليها العلماء إيرادات وإشكالات، ولكن نذكر ما جعله المعتدلون ممن تكلموا في المصالح ضابطًا لذلك، فبعد ما ذكر الشاطبي في الموافقات ج2:"أن الشيء ليس فيه منفعة محضة، أو مفسدة محضة"،"وأن اتباع المصالح ليس بالأهواء"، بين الشاطبي أصل الترجيح في هذه المسألة تعقيبًا على من قال:"إن الأصل في المصالح الإباحة، والأصل في المضار المنع" [لأنه يجعل الشيء مأذونًا فيه منهيًا عنه في نفس الوقت لاجتماع الأمرين فيه] ، فيقرر الشاطبي"أن الأمر في ذلك راجع إلى اعتبار ما تقوم به الدنيا للآخرة، وإن كان في الطريق ضرر ما متوقع، أو نفع ما مندفع"، يعلق الشيخ درّاز فيقول:"إذ لا يعقل أن يعنى أن كل ما فيه اسم مصلحة مأذون فيه، كالخمر مثلًا، وما فيه مفسدة ما ممنوع كمرارة الدواء، بل ما يعتبر مثله مصلحة أو مفسدة في نظر الشرع"، نقول: وهذا الكلام لا ينضبط إلا بأمور أخرى تشترط فيمن يصلح للنظر في المصالح عند من يعتبرها، مثل معرفة مقاصد الشريعة، ومراعاة شروط المصلحة، والاجتهاد، والتجرد عن الهوى، ونقول: أبلغ قول في ذلك قول من قال إنها للخليفة المجتهد، لأنه لا بد وأن ينظر في الأمور المتجددة من المعاملات غيره.

* وقد ذكر الشاطبي في الموافقات ج2 الجهات التي يعرف بها مقاصد الشرع [لتعين الناظر في المصالح، ويجهد نفسه في تنقيحها] :

"1 - صريح الأمر والنهي."

2 -اعتبار العلل بمسالكها المعروفة، فإن لم تعلم فالتوقف.

3 -النظر في المصالح التابعة، فما كان مؤكدًا للمصالح الأصلية فهو مقصود وما لا فلا"."

[ولقد بين من قبل في أول ج2"أن كل تكملة فلها -من حيث هي تكملة- شرط هو أن لا يعود اعتبارها على الأصل بإبطال"وذلك دلل عليه بأمور:"1 - في إبطال الأصل إبطال التكملة."

2 -لو قدرنا حصول المصلحة التكميلية مع فوات المصلحة الأصلية، لكان حصول الأصلية أولى لما بينهما من التفاوت"."

* نقول: فلو كان في دخول هذا المجلس مصلحة تكميلية لحفظ الدين (وهو من الضرورات الخمس) من كيد النصارى، فإن في اعتبار هذا ما يعود على الأصل بإبطال كما بينا في أول الرسالة، إذ هو يتعلق بأصل الدين، وهو التوحيد، وهذا المجلس الشركي مضاد له من كل جانب، كذا ما فيه من تضليل العامة بإقرارهم هذا المجلس] .

ويكمل الشاطبي الجهة الرابعة في مقاصد الشريعة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت