وغير ذلك من نفعهم في الدنيا من دعوتهم الخلق إلى طاعة ربهم ودلالتهم عليه وكله لا يوجب تعبد القلوب لهم لأن هذا هو الشرك الذي هم أعظم الناس إنكارًا له ومعاداة لمن يفعله بهم أو بغيرهم.
أما في الآخرة فينفعون أيضًا حيث يشفعون عند الله لكن هذه الشفاعة لا تطلب منهم حيث أنهم لا يقدرون عليها ولا يملكونها وإنما إذا أراد الرب عز وجل أن يرحم عبدًا من عباده أمرهم بالشفاعة وجعلهم يشفعون فيه تكريمًا لهم ورضًا عنه بإخلاصه حيث لم يطلب الشفاعة منهم وإنما أخلص لربه.
إذا تبين هذا فشفاعتهم في الآخرة لا توجب أيضًا تعلق القلوب بهم بل هذا التعلق أعظم موانعها ونفيه وبغضه والبراءة ممن فعله من أعظم موجبات حصولها.
وقد سأل أبو هريرة النبي صلى الله عليه وسلم عن أولى الناس بشفاعته يوم القيامة فأخبره أن أولاهم بذلك من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه ومن قال هذه الكلمة على التحقيق أخرجت من قلبه عبودية المكخلوقات بأسرها ومن العلم الدال على ذلك معرفة العبد معرفة قلبية أن الوجود كله لا يتحرك فيه متحرك ولا يسكن ساكن إلا بفعل الرب عز وجل وذلك هو القدر وهو قدرته سبحانه.
فالشفاعة داخلة في ذلك لأن من أردت منه أن يشفع لك فلا بد أن يحصل له إرادة ذلك في نفسه وهو لا يخلق هذه الإرادة وإنما يخلقها رب العالمين وهو سبحانه نهاك أن تلتفت بقلبك بطلبها من غيره وطلب منك إخلاص ذلك له وهذا معنى لا إله إلا الله ويندرج ضمن ذلك معنى لا حول ولا قوة إلا بالله فلا بد من التحقق بالكلمتين فالأولى فيها معنى توحيد الإلهية والثانية فيها معنى توحيد الربوبية وأنت إذا أخلصت لربك الطلب فهو يرحمك بلا واسطة وإن أراد سبحانه أن يكرم شافعًا يشفع لك فهو يفعل ما شاء لكن أنت ممنوع من طلب ذلك من غيره.
وتوحيد الربوبية الذي هو معنى لا حول ولا قوة إلا بالله لا بد منه كمدخل لتوحيد الإلهية يعني علم العبد بإحاطة قدرة الرب سبحانه على الأعيان والأفعال بحيث لا يخرج من ذلك شيء أبدًا.
إذا تحقق العبد هذا وعلمه كما ينبغي خرج تأله قلبه لما سوى الله كائنًا ما كان.