وما اشتمل عليه هذا الحديث من فتن وغيرها كله لا شك أنه قبل المهدي، إلا انقسام الناس إلى فسطاطين، فهذا يحتمل أن يكون في زمانه ولكنه قبل الدجال وعليه يخرج.
والخلاف ليس هنا، وإنما هو: هل هذه الفتن والاصطلاح قد حصلت أم لا؟
والذي أرجحه أن فتنة السَرّاء وما بعدها لم تقع إلى الآن، وإن كان بعض الكاتبين في الفتن من المعاصرين الذين لا نتهمهم في علمهم ولا تقواهم قد أشاروا إلى وقوعها، فبعضهم يقول: إنها الفتن التي كانت بين الأتراك وأهل نجد، والآخر يقول: إنها فتنة المال، وإن دخنها من تحت قدمي الشريف حسين صاحب مكة، والمعاصر لأوائل حكم عبد العزيز آل سعود.
فأقول: أما الرد على الأول:
فصحيح أن ما وقع من القتال بين أهل نجد والأتراك فتن عظيمة، أوهت الدعوة، وأهلكت المسلمين، وأوقفت الخير الذي كان يدعو إليه أهل نجد، إلا أنها لم تستكمل الصفات، حيث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أنها تنتهي بالاصطلاح على رجل كوَرِك على ضلع -أي أن أمره لا يثبت ولا يستقيم- وهذا لم يحصل.
وأما القائل بأنها فتنة الشريف حسين فكذلك غير صحيح، إذ المراد بهذه الفتنة: فتنة حرب لا فتنة مال، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ثم يصطلح الناس"وهذه إشارة إلى أنهم لم يكونوا قبل ذلك مصطلحين، وفي حديث معاذ:"ثم تكون هدنة على دخن"، والهدنة في اللغة: الاصطلاح بعد الحرب، ومما يؤكد ذلك أن أكثر أحاديث الفتن يذكر فيها السيف والقتال والهرج، وغير ذلك مما يعبّر به عن الحروب التي تكون بين المسلمين، وهب أن هذه الفتنة ليست فتنة قتال، وإنما هي فتنة بطر واستغناء باعث على معصية الله، فأين هذا من زمن الحسين؟ وإن كان يعطي الذهب لبعض أمراء القبائل، فإن معظم رعيته كانت هالكة من الجوع، وكان الحاجُ يُسْرَق، وربما يُقتَل دون ماله، مما بالناس من المجاعة، وعدم تمكن الدولة من إقرار الأمن في البلد الأمين حتى أن شوقي قد شكى تلك الحالة في قضيدة قال في مطلعها:
ضجّ الحجيجُ وضجّ البيتُ والحرمُ ... واستصرخت ربَّها في مكةَ الأممُ
وقد وصف لنا بعض من عاصر حكم الشريف لمكة، أنهم كانوا في حالة سيئة، ومعيشة ضنكا.