-وإضافة إلى ما سبق، فإن فسق العمل نوعان 0 باعتبار آخر - كما بيّنه ابن القيّم بقوله: (فسق العمل نوعان: مقرون بالعصيان، ومفرد، فالمقرون بالعصيان: هو ارتكاب ما نهى الله عنه، والعصيان: هو عصيان أمره، قال تعالى:(( وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ) ) (( الحجرات: 7 ) ).
وكما قال تعالى: (( لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) ) (التحريم:6) .
وقال موسى لأخيه هارون - عليهما السلام: (( مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ) ) (طه: 92 - 93) .
فالفسق أخصّ بارتكاب النهي، ولهذا يطلق عليه كثيرًا، كقوله تعالى: (( وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ) ) (البقرة: 282) .
والمعصية أخصّ بمخالفة الأمر، ويطلق كل منهما على صاحبه، كقوله تعالى: (( إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) ) (الكهف: 50) .
فسمى مخالفته للأمر فسقًا، وقال: (( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) ) (طه:121) .
فسمى ارتكابه للنهي معصية، فهذا عند الإفراد، فإذا اقترنا كان أحدهما لمخالفة الأمر، والآخر لمخالفة النهي [1]
وفي ختام هذه الوريقات ننبه إلى ضرورة عدم الخلط بين مفهوم الفسق عند أهل السنة، ومخالفيهم.
فمرتكب الكبيرة عند أهل السنة مع أنه فاسق بكبيرته، إلا أنه لا يخرج من الإيمان بالكلية، فيمكن اجتماع الإيمان مع هذا الفسق الأصغر ـ كما هو مقرر عند أهل السنة ـ، ومن ثم فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته (53) ، وأمره إلى الله تعالى، إن شاء غفر له برحمته، وإن شاء عذبه بعدله، ومآله إلى الجنة فيما بعد؛ فأهل السنة متفقون على أن فساق أهل الملة ـ وإن دخلوا النار، أو استحقوا دخولها ـ فإنهم لابد أن يدخلوا الجنة (54) .
-يقول ابن تيمية ـ مقررًا هذه المسألة ـ (( ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه: (( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ. ) ) (البقرة: 178)
وقال سبحانه: (( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [9] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ .. ) ) (الحجرات: 9،10) .
(1) 52 - مدارج السالكين (1/ 361، 362) . بتصرف.
53 -هذا بالنسبة للحكم العام المطلق، فنطلق القول بنصوص الوعيد والتكفير والتفسيق، ولا نحكم للمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضي الذي لا معارض له. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (10/ 332) ، (4/ 484) ، (28/ 499) .
54 -انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (4/ 486) .