فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 21

ولا يسلبون الفاسق الملّي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار، كما تقول المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: (( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ. ) ) (النساء: 92) .

وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا. ) ) (الأنفال: 2) .

وقوله صلى الله عليه وسلم: (( لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذات شرف يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) ) [1]

ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، فلا يعطي الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم [2]

فارتكاب الكبير يعدّ فسقًا ينافي كمال الإيمان الواجب، وهذا الفسق يمكن اجتماعه مع الإيمان، وصاحبه متعرّض للوعيد، فأهل السنة يقولون بجواز التبعض في الاسم والحكم، بمعنى أن يكون مع الرجل بعض الإيمان لا كله، ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب ما معه، كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه [3]

وإذا تقرر مفهوم الفسق عند أهل السنة، فإننا نورد مفهومه عند المخالفين:

فأما الأشاعرة: فنجد فيهم من يجعل الفاسق الملي مؤمنًا بإطلاق، ويعتبرونه مؤمنًا حقًا.

-كما قال أحدهم - وهو الآمدي: (( فعلى هذا مهما كان مصدقًا بالجنان وإن أخلّ بشيء من الأركان، فهو مؤمن حقًّا، وانتفاء الكفر عنه واجب، وإن صح تسميته فاسقًا بالنسبة إلى ما أخلّ به من الطاعات، وارتكب من المنهيّات ) ) [4]

وسمى الإيجي مرتكب الكبيرة مؤمنًا بإطلاق [5]

وقد سبق أن ذكرنا أن مرتكب الكبيرة ـ عند أهل السنة ـ لا يعطي الإيمان المطلق، فلا يقال عن الزاني، أو شارب الخمر ـ مثلًا ـ: إنه مؤمن بإطلاق، ولكن نقيده، فنقول: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان.

* وقد عاب إبراهيم النخعي - رحمه الله - تلك المقولة، فقال: (( ما أعلم قومًا أحمق في رأيهم من هذه المرجئة؛ لأنهم يقولون: مؤمن ضالّ، ومؤمن فاسق ) ) [6] .

وعلى كلٍّ فإن مقالة أولئك الأشاعرة متفرعة من قول جمهورهم بأن الإيمان هو التصديق، حيث أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان.

أما المعتزلة: فمفهوم الفسق عندهم على عكس المقالة السابقة، فالفاسق عندهم ليس مؤمنًا، كما أنه ليس كافرًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ولم يقل أحد من المعتزلة بإيمان مرتكب الكبيرة سوى الأصم [7] .

(1) 53 - أخرجه البخاري ومسلم، كتاب المظالم ح (2475) ومسلم، كتاب الإيمان، ح (76) .

(2) 54 - العقيدة الواسطية بشرح محمد خليل هراس ص (152 - 156) .

(3) 55 - انظر: شرح الأصفهانية: مخلوف ص (144) .

(4) 56 - غاية المرام في علم الكلام ص (312) .

(5) 57 - انظر: المواقف في علمِ الكلام ص (389) .

(6) 58 - السنة للإمام عبد الله بن الإمام أحمد حنبل (1/ 341) .

(7) 59 - انظر: مقالات الإسلاميين (1/ 333) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت