وقال تعالى: (( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ) (التوبة: 67) .
* قال الشوكاني: (( وهذا الترتيب يُفيد أنهم هم الكاملون في الفسق ) ) [1]
ومثال الفسق العملي المخرج عن الملة: فسق إبليس، حيث قال الله تعالى - عزّ وجلّ: (( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ) ). (الكهف:50) .
ففسق إبليس إنما كان بتركه للسجود، وامتناعه عن اتباع أمر ربه - عزّ وجلَّ - وهذا التّرك يعدّ فعلًا وعملًا - كما هو مقرّر في كتب الأصول - [2]
-وفسق الكفر هو المذكور في غالب آيات القرآن الكريم، وكما قال ابن الوزير: (( قد ورد في السمع ما يدل على أن الفاسق في زمان النبي، صلى الله عليه وسلم، يطلق على الكافر كثيرًا، كقوله تعالى: (( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ) (التوبة: 67) .
-وقوله تعالى: (( وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ ) ) (البقرة: 99) .
-وقوله تعالى: (( وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَاوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ ) ) (السجدة: 20) .
وذكر آيات كثيرة ثم قال:
(( فهذه الآيات دالة على أن الفاسق في العرف الأول يطلق على الكافر، ويسبق إلى الفهم ) ). [3]
وسنورد إضافة إلى ما سبق بعض الأدلة كأمثلة على فسق الكفر.
قال الله تعالى عن قوم نوح: (( وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ) ) (الذاريات:46) .
وقال تعالى عن فرعون وقومه: (( وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ) ) (النمل: 12) .
وقال عزَّ وجلَّ عن اليهود على لسان موسى عليه السلام: (( قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) ) (المائدة: 25 - 26) .
وقال سبحانه عن النصارى: (( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) ) (الحديد: 27) .
وجاء في حديث لابن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعًا تفسيرًا لهذه الآية (( فالمؤمنون الذين آمنوا بي، وصدّقوا بي، والفاسقون الذين كذّبوا بي وجحدوا بي ) ) [4] .
(1) 15 - فتح القدير (2/ 379) .
(2) 16 - انظر: روضة الناظر لابن قدامة ص (54) ، وإرشاد الفحول للشوكاني ص (52) . والقواعد الأصولية لابن اللحام ص (62) ، ويقول الشوكاني في تفسيره (2/ 158) : (( وإطلاق اسم الفسق على تارك ما فرضه الله عليه غير ممتنع شرعًا ) ).
(3) 17 - العواصم والقواصم (2/ 160 - 161) باختصار، وانظر إيثار الحق على الخلق لابن الوزير ص (451) ، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا (1/ 238) .
(4) 18 - أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ح (71) ، والطبراني في الكبير (10357) ، وقواه ابن كثير في تفسيره (4/ 338) .