وسمَّى الله تعالى المشركين فسَّاقًا، فقال سبحانه: (( كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَابَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ) ) (التوبة: 8) .
وجاء النصّ القرآني بتسمية بعض أفراد الشّرك فسقًا، فقال سبحانه: (( وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) ) (الأنعام: 121) .
فقد حمل الشافعي - رحمه الله - ذلك على ما ذبح لغير الله [1]
وقال - عزّ وجلّ: (( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ) ) (المائدة: 3) .
يقول الشوكاني: (( قوله:(ذَلِكُمْ فِسْقٌ) إشارة إلى الاستسقام بالأزلام أو إلى جميع المحرّمات المذكورة هنا.
والفسق: الخروج عن الحدّ، وفي هذا وعيد شديد؛ لأن الفسق هو أشدّ الكفر لا ما وقع عليه اصطلاح قوم من أنه منزلة متوسطة بين الإيمان والكفر [2]
وإذا انتقلنا إلى الفسق الذي لا يخرج من الملة فيمكن تقسيمه إلى فسق الاعتقاد، وفسق العمل.
-ومثال فسق الاعتقاد ها هنا: ما قاله ابن القيم: (( فسق أهل البدع الذين يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر، ويحرمون ما حرم الله، ويوجبون ما أوجب الله، ولكن ينفون كثيرًا مما أثبت الله ورسوله، جهلًا وتأويلًا، وتقليدًا للشيوخ، ويثبتون ما لم يثبته الله ورسوله كذلك.
-وهؤلاء كالخوارج المارقة، وكثير من الروافض، والقدرية، والمعتزلة وكثير من الجهمية الذين ليسوا غُلاة في التجهم.
-وأما غلاة الجهمية فكغلاة الرافضة، ليس للطائفتين في الإسلام نصيب )) [3] .
-فالفسق أعم من البدعة، حيث يُطلق الفسق على البدعة وغيرها؛ ولذا قال ابن الصلاح (( كل مبتدع فاسق، وليس كل فاسق مبتدعًا ) ) [4] .
-ويدل على ذلك ما ورد عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - من تسمية الخوارج فاسقين [5] .
-وكذا كان شعبة بن الحجاج رحمه الله يسميهم الفاسقين [6] لأن الخوارج خرجوا عن طريق الحق، ومرقوا من الدين بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما خرجوا على خيار المسلمين.
(1) 19 - انظر: تفسير ابن كثير (2/ 161) .
(2) 20 - فتح القدير (2/ 10) .
(3) 21 - مدارج السالكين (1/ 362) .
(4) 22 - فتاوى ابن الصلاح ص (28) ضمن مجموعة الرسائل المنبرية ج (4) .
(5) 23 - أخرجه البخاري، كتاب التفسير ح (4728) .
(6) 24 - انظر: الاعتصام للشاطبي (1/ 84) ، تحقيق: سليم الهلالي.