الطوائف عن القرون الثلاثة يوافق ما ذكرته من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والأشعرية وأهل الحديث وغيرهم.
ثم طلب المنازع الكلام في مسألة الحرف والصوت فقلت هذا الذي يحكى عن أحمد وأصحابه أن صوت القارئين ومداد المصاحف قديم أزلي كذب مفترى لم يقل ذلك أحمد ولا أحد من علماء المسلمين، وأخرجت كراسا وفيه ما ذكره أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الإمام أحمد وماجمعه صاحبه أبو بكر المروذي من كلام أحمد وكلام أئمة زمانه في أن من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمى ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع قلت فكيف بمن يقول لفظي أزلي فكيف بمن يقول صوتي قديم ... فقال المنازع إنه انتسب إلى أحمد أناس من الحشوية والمشبهة ونحو هذا الكلام فقلت المشبهة والمجسمة في غير أصحاب الإمام أحمد أكثر منهم فيهم فهؤلاء أصناف الأكراد كلهم شافعية وفيهم من التشبيه والتجسيم مالا يوجد في صنف آخر وأهل جيلان فيهم شافعية وحنبلية وأما الحنبلية المحضة فليس فيهم من ذلك ما في غيرهم والكرامية المجسمة كلهم حنفية.
وقلت له مَنْ من أصحابنا حشوي بالمعنى الذي تريده؟ الأثرم أبودود المروزي الخلال أبو بكر عبد العزيز أبو الحسن التميمي ابن حامد القاضي أبو يعلى أبو الخطاب ابن عقيل؟ ورفعت صوتي , وقلت: سمهم قل لي من هم؟ من هم؟
أبكذب ابن الخطيب وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطل الشريعة وتندرس معالم الدين كما نقل هو وغيره عنهم أنهم يقولون القرآن القديم هو أصوات القارئين ومداد الكاتبين وأن الصوت والمداد قديم أزلي من قال هذا وفي أي كتاب وجد عنهم هذا قل لي؟
وكما نقل عنهم أن الله لا يرى في الآخرة باللزوم الذي ادعاه , والمقدمة التي نقلها عنهم.
ولما جاءت مسألة القرآن وأنه كلام الله غير مخلوق منه بدء واليه يعود نازع بعضهم في كونه منه بدأ وإليه يعود وطلبوا تفسير ذلك فقلت أما هذا القول فهو المأثور والثابت عن السلف مثل ما نقله عمرو بن دينار قال أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون الله الخالق وما سواه مخلوق إلا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود ومعنى منه بدأ: أي هو المتكلم به وهو الذي أنزله من لدنه ليس هو كما تقوله الجهمية أنه خلق في الهواء أو غيره وبدأ من غيره.
وأما إليه يعود فإنه يسرى به في آخر الزمان من المصاحف والصدور فلا يبقى في الصدور منه كلمة ولا في المصاحف منه حرف ووافق على ذلك غالب الحاضرين فقلت هكذا قال النبي ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه يعني القرآن وقال خباب بن الارت يا هنتاه تقرب إلى الله بما استطعت فلن يتقرب إلى الله بشيء أحب إليه مما خرج منه.
وقلت وإن الله تكلم به حقيقة وإن هذا القرآن الذي أنزله الله على محمد هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة بل إذا قرأ الناس القرآن أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا ...