فأمتعض بعضهم من إثبات كونه كلام الله حقيقة بعد تسليمه أن الله تكلم به حقيقة ثم إنه سلم ذلك لما بين له أن المجاز يصح نفيه وهذا لا يصح نفيه وأن أقوال المتقدمين المأثورة عنهم وشعر الشعراء المضاف إليهم هو كلامهم حقيقة.
ولما ذكرت فيها أن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا استحسنوا هذا الكلام وعظموه وذكرت ما أجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة وليس معني قوله {وهو معكم أينما كنتم} أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة وخلاف ما فطر الله عليه الخلق بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر أينما كان.
ولما ذكرت أن جميع أسماء الله التي يسمى بها المخلوق كلفظ الوجود الذي هو مقول بالحقيقة على الواجب والممكن تنازع كبيران هل هو مقول بالاشتراك أو بالتواطىء فقال أحدهما هو متواطىء وقال آخر هو مشترك لئلا يلزم التركيب.
وقال هذا قد ذكر فخر الدين أن هذا النزاع مبنى على أن وجوده هل هو عين ماهيته أم لا فمن قال إن وجود كل شيء عين ماهيته قال إنه مقول بالاشتراك ومن قال إن وجوده قدر زائد على ماهيته قال إنه مقول بالتواطىء فأخذ الأول يرجح قول من يقول إن الوجود زائد على الماهية لينصر أنه مقول بالتواطىء فقال الثاني مذهب الأشعري وأهل السنة أن وجوده عين ماهيته فأنكر الأول ذلك.
فقلت أما متكلموا أهل السنة فعندهم أن وجود كل شيء عين ماهيته وأما القول الآخر فهو قول المعتزلة أن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته وكل منهما أصاب من وجه فإن الصواب أن هذه الأسماء مقولة بالتواطىء كما قد قررته في غير هذا الموضع وأما بناء ذلك على كون وجود الشيء عين ماهيته أو ليس عين وجود ماهيته فهو من الغلط المضاف إلى ابن الخطيب فإنا وإن قلنا إن وجود الشيء عين ماهيته لا يجب أن يكون الاسم مقولا عليه وعلى غيره بالاشتراك اللفظي فقط كما في جميع أسماء الأجناس فإن اسم السواد مقول على هذا السواد وهذا السواد بالتواطىء وليس عين هذا السواد هو عين هذا السواد إذ الاسم دال على القدر المشترك بينهما وهو المطلق الكلى لكنه لا يوجد مطلقا بشرط الإطلاق إلا في الذهن.
ولا يلزم من ذلك نفي القدر المشترك بين الأعيان الموجودة في الخارج فإنه على ذلك تنتفي الأسماء المتواطئة وهي جمهور الأسماء الموجودة في اللغات وهي أسماء الأجناس اللغوية وهو الاسم المعلق على الشيء وما أشبهه سواء كان اسم عين أو اسم صفة جامدا أو مشتقا وسواء كان جنسا منطقيا أو فقهيا أو لم يكن.
بل اسم الجنس في اللغة تدخل فيه الأجناس والأصناف والأنواع ونحو ذلك وكلها أسماء متواطئة وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة اهـ بحروفه.
ثم قال بعدها مباشرة: وكتب عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين:
بسم الله الرحمن الرحيم من أخيه عبد الله بن تيمية إلى الشيخ الإمام العالم الفاضل الصدر الكبير زين الدين زينه الله تعالى بحلية أولياءه وأكرمه في الدنيا والآخرة بكرامة أصفيائه وجعل له البشرى بالنصر الأكبر على أعدائه وأوزعه شكر النعماء