الصفحة 10 من 30

وشبهاتهم التي احتجوا بها إن صحت ـ من المتشابهات التي يتعينُ ردّها إلى المحكماتِ من الآيات والأحاديث الدالةِ على وجوبِ إفراد الله تعالى بالدعاء والاستغاثة، وسائرِ أنواعِ العبادةِ والنهي عن الشركِ وذرائعه.

3 -وإذا انتقلنا إلى الجوابِ عن شبهاتهم، فنقولُ ابتداءً: لا يُوجدُ لدى القبوريين دليلٌ صحيحٌ صريح، في تجويزِ استغاثتهم بالقبور، وما قد يصحُّ من شُبهاتهم إنَّما قد يُستدلُ بها عند البعضِ على جوازِ التوسلِ إلى اللهِ تعالى بالذوات، فلا تدلُ على جوازِ الاستغاثةِ بالقبور، والتوسلِ إلى الله تعالى بالذوات بدعةٌ محدثة، بينما الاستغاثةُ بالقبور كفرٌ وردة، فالفرقُ بينهما ظاهر.

يقولُ الشيخُ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: موضحًا الفرقَ بين التوسلِ والاستغاثة: (وبينهما فرقٌ عظيم، أبعدَ مما بينَ المشرقِ والمغرب، فالعامةُ الذين يتوسلون في أدعيتهم بالأنبياءِ والصالحين، كقول أحدهم: أتوسلُ إليك بنبيكَ، أو بملائكتكَ، أو بالصالحين، أو بحقِّ فلان، وغير ذلك مما يقولونهُ في أدعيتهم، يعلمون أنَّهم لا يَستغيثون بهذه الأمور، ولا يَسألونها وينادونها؛ فإنَّ المستغيثَ بالشيءِ: طالبٌ منه وسائلٌ له، والمتوسلُ به: لا يدعو ولا يطلبُ منه، ولا يسأل، وإنَّما يطلبُ به، وكلُّ أحد يفرّقُ بين المدعو به، وبين المدعو والمستغاث، ولا يُعرفُ في لغةِ أحدٍ من بني آدم أنَّ من قالَ: أتوسلُ إليك برسولك، أو أتوجهُ إليك برسولك؛ فقد استغاثَ به حقيقة، فإنَّهم يعلمون أن المستغاثَ به مسؤولٌ مدعو، فيفرّقون بين المسؤول وبين المسؤول به) [1] .

ومع ذلك فالتوسلُ إلى الله تعالى بالذواتِ أو الجاه، قد صاَر ذريعةً إلى دعاءِ القبورِ والتعلق بها، وما قد يُستدل به على التوسلِ إلى الله بالذواتِ أو الجاه، فإمَّا أن يكون صريحًا، لكنَّهُ لا يصحُّ ولا يثبت، وما قد يكونُ صحيحًا فلا يدلُ على مرادهم، وإنَّما يدلُ على التوسلِ المشروعِ، كالتوسلِ بأسماءِ الله وصفاتهِ والعمل الصالح، كما بُسط في موضعه [2] .

وأمرٌ آخر، وهو أنَّ القبوريين قد لبّسوا على العوامِ وأشباههم بهذهِ الألفاظِ المجملةِ المشتركة، فصاروا يُطلقون لفظ (التوسلِ) مثلًا على الاستغاثة بالقبور ودعائِها، فيظنُ البعضُ أنَّ مرادهم التوسلُ إلى اللهِ بالذاتِ أو الجاه، فيقعُ اللبسُ والإشكال.

(1) - مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، 1/ 70.

(2) - انظر: قاعدة جليلة في التوسل الوسيلة، لابن تيمية، والتوسل، للألباني، والتوصل إلى حقيقة التوسل، لمحمد نسيب الرفاعي ـ رحمه الله ـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت