وقد صحَّ عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ قال: (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) أخرجه البخاري ومسلم.
مثالُ ذلك: إذا قال لك بعضُ المشركين: ألا إنَّ أولياءَ اللهِ لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، وأنَّ الشفاعةَ حقٌّ، وأنَّ الأنبياءَ لهم جاهٌ عند الله، أو ذكرَ كلامًا للنبي - صلى الله عليه وسلم- يَستدلُ به على شيءٍ من باطله، وأنتَ لا تفهمُ معنى هذا الكلامِ الذي ذكرهُ، فجاوِبهُ بقولك: إنَّ اللهَ ذكرَ في كتابهِ، أنَّ الذين في قلوبهم زيغٌ يتركون المُحكم، ويتبعون المُتشابه، وما ذكرتُه لك من أنَّ الله تعالى ذكرَ أنَّ المشركين يُقرون بالربوبية، وأنَّ كفرهم بتعلقهم على الملائكةِ والأنبياء، مع قولهم: هؤلاءِ شفعاؤُنا عند الله، وهذا أمرٌ محكمٌ بيّنٌ، لا يقدرُ أحدٌ أن يغيرَ معناه.
وما ذكرته لي أيَّها المشرك من القرآن، أو كلامَ النبي -صلى الله عليه وسلم-، لا أعرفُ معناهُ، ولكن أقطعُ أنَّ كلامَ اللهِ لا يتناقض، وأنَّ كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يُخالف كلام الله -عز وجل- وهذا جوابٌ سديد، ولكن لا يفهمهُ إلا من وفقهُ الله فلا تستهينُ به) [1] .
فهذا جوابٌ سديدٌ، وحجةٌ ظاهرةٌ، تجاه كل شبهة. وقد ساقَ المؤلفُ جوابًا في توضيحِ هذا الجواب، فإقرارُ مشركي العربِ بتوحيد الربوبيةِ، وأنَّ كفرهم بسببِ اتخاذهم وسائطَ بينهم وبين الله تعالى، يسألونهم ويدعونهم، يُعَدّ أمرًا محكمًا ظاهرًا لا اشتباه فيه ولا التباس، وأمَّا احتجاجُ المبتدعِ لباطلهِ ببعض النصوصِ الشرعية، فهو أمرٌ مشتبهٌ ومشكل، لا يَعلمُ معناهُ بالنسبةِ لذلك الموحد، ولا يتركُ المحكمَ الواضح ويتبعُ المتشابه إلا أهلُ الزيغ؛ مع يقيننا أنَّ أدلةَ الحقِّ لا تتناقضُ سمعية كانت أو عقلية؛ فالنصوصُ الشرعيةِ يُصدّقُ بعضها بعضًا، فما كان متشابهًا فيردّ إلى ما كان محكمًا، بل نجزمُ أنَّ أهلَّ البدعِ لا يكادونَ يحتجون بحجةٍ سمعيةٍ ولا عقليةٍ إلاَّ وهي عند التأملِ حجةً عليهم لا لهم [2] .
وهؤلاءِ القبور يون من أهلِ الزيغ، الذين يتبعون المتشابهَ ابتغاءَ الفتنة، ليس نظرُهم في الدليلِ نظرَ المستبصر، حتى يكونَ هواهُ تحت حكمه، بل نظرَ مَنْ حكم بالهوى، ثُمَّ أتى بالدليل كالشاهدٍ له [3] .
(1) - كشف الشبهات، ص43، 44.
(2) - انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 6/ 354، 514، وحادي الأرواح، لابن القيم، ص208.
(3) - انظر: الاعتصام، للشاطبي، 1/ 221.