والتحقيقُ أنَّ هذه الألفاظِ المجملةِ يتعينُ تفصليها وبيانها، وقد بينَّ أهلُ العلمِ ما يحملهُ لفظَ (التوسلِ) من الإجمالِ والاشتراك، ومن ذلك ما قالهُ الشيخُ العلامة ... -عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن-: (إنَّ لفظَ التوسلِ صارَ مشتركًا، فعبّادُ القُبورِ يُطلقونَ التوسلَ على الاستغاثةِ بغيرِ اللهِ، ودعائهِ رغَبًا ورهبًا، والذبحِ والنذرِ والتعظيمِ بما لم يُشرع في حقِّ مخلوق.
وأهلُّ العلمِ يُطلقونهُ على المتابعةِ والأخذِ بالسُنة، فيتوسلونَ إلى اللهِ بما شرعهُ لهم من العبادات، وبما جاءَ به عبدهِ ورسولهِ محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهذا هو التوسلُ في عرفِ القرآن والسنة، ومنهم من يَطلقه على سؤالِ الله ودعائهِ بجاه نبيه، أو بحقِّ عبدهِ الصالح، وهذا هو الغالبُ عند الإطلاقِ في كلامِ المتأخرين، كالسُبكي والقسطلاني وابن حجر (الهيثمي) [1] .
ومن شُبهاتِ القبوريين قولهم: إنَّ مشركي العربِ لم يكونوا يعترفونَ بالربوبية لله تعالى، ونحنُ نعترفُ بأنَّ اللهَ تعالى هو الربُّ المدبّر الخالق.
فالجوابُ عن هذهِ الشُبهة: أنَّ مشركي العربِ مقرونَ بتوحيدِ الربوبية، فلم يُنازعوا فيه، بل إنَّ هذا التوحيدِ لم يُنازع في أصلهِ أحدٌ من بني آدم [2] .
والدليلُ على أنَّ هؤلاءِ المشركين الذين قاتلهم رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- واستحلَّ دماءَهم، كانوا مُقرين بأنَّ اللهَ هو الخالقُ الرازقُ المدبّر، لقوله سبحانه: (( قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ) ) [يونس: 31] .
قال قتادةَ ـ رحمهُ الله ـ: (إنَّك لستَ تلقى أحدًا منهم إلا أنبأك أنَّ اللهَ ربه، وهو الذي خلقهُ ورزقه، وهو مشركٌ في عبادته) [3] .
وقال ابنُ جريرٍ ـ رحمه الله ـ عند قوله تعالى: (( فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ) ) [يونس: 31] : (أفلا تخافون عقابَ الله على شرككم وعبادتكم معه، من لا يرزقكم شيئًا ولا يملكُ لكم ضرًا ولا نفعًا) [4] .
(1) - منهاج التأسيس، ص267، وانظر: مصباح الظلام ص178.
(2) - انظر: التدمرية، لابن تيمية، ص181، ومجموع الفتاوى، 2/ 38.
(3) - تفسير ابن جرير، 13/ 78.
(4) - تفسير ابن جرير، 11/ 114.