وقال ـ عز وجل: (( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ) ) [النساء: 82] .
وإن من أعظمِ أسبابِ الضلالِ واستفحالِ الشرك: الإعراضُ عن تدبرِ آياتِ القرآن، والاقتصارُ على مجردِ قراءتهِ دون فهمٍ أو فقه.
فإذا نظرنا ـ مثلًا ـ إلى مسألةِ إفرادَ الله ـ عز وجل ـ بالدعاءِ والاستغاثة، فإنَّها من أوضحِ الواضحاتِ في كتابِ الله، فقد تحدثَ عنها القرآنُ في ثلاثمائةَ موضع [1] .
ومع ذلك فما أكثرَ الذين يتلون هذه الآياتِ بألسنتهم، وينقُضونها بأفعالهم وأحوالهم.
يقول العلاّمةُ حسين بن مهدي النعمي ـ رحمهُ الله ـ (ت/1187هـ) متحدثًا عن ضلال القبوريين:
(لا جرمَ لمَّا كان ملاكُ أمرِ الجميعِ، وحاصلُ مبلغهم وغايتهم، هو التلاوةُ دون الفقه والتدبر والإتباع، خفيٌّ عليهم ذلك، وعموا وصموا عنه، وأنّى لهم ذلك؟ وقد منعهم سادتهم وكبراؤُهم من أهليهم، وممن يقومُ عليهم ويسوسهم، وقالوا: كتابُ الله حجرٌ محجور، لا يُستفادُ منه، ولا يُقتبسُ من أنوارهِ، ولا يُنال ما فيه من العلم والدين.
فلعمرُ اللهِ للخيرِ أضاعوا، وللشرِ أذاعوا، وإلاَّ فلولا ذلك لكانت هذه المسألةُ [إفرادُ الله بالدعاء] من أظهرِ الظواهر، لما أنَّ العناية في كتابِ الله بشأنها أتم وأكمل، والقصدُ إليها بالتكريرِ والتقريرِ والبيان في كتاب الله أكثر وأشمل) [2] .
ويقولُ الشيخُ العلاّمةَ عبد الرحمن بن حسن ـ رحمه الله في هذا المقام ـ:
(فمن تدبرَ عرفَ أحوالَ الخلقَ، وما وقعوا فيه من الشركِ العظيم، الذي بعث اللهُُ أنبياءَه ورسلهُ بالنهي عنه، والوعيدُ على فعلهِ، والثوابُ على تركه، وقد هلك من هلك بإعراضهِ عن القرآن، وجهلهِ بما أمرَ اللهُ به ونهى عنه) [3] .
وعلينا أن نتواصى بتطهيرِ القلوبِ وتزكيتها، لكي يحصلَ الانتفاعُ بمواعظِ القرآن وأحكامه.
(1) انظر: الدرر السنية، 9/ 418، واقتضاء الصراط المستقيم، 2/ 705.
(2) معارج الألباب، ص216، باختصار.
(3) قرة عيون الموحدين، ص33.