الصفحة 4 من 30

يقولُ ابن القيم عند قوله: (( لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ ) ) [الواقعة: 79] . (دلّت الآيةُ بإشارتها وإيمائها على أنَّهُ لا يُدركُ معانيه ولا يفهمهُ إلاَّ القلوبُ الطاهرة، وحرامٌ على القلبِ المتلوّثِ بنجاسةِ البدعِ والمخالفات، أن ينالَ معانيه، وأن يفهمهُ كما ينبغي) [1] .

5 -مخاطبةُ عقولهم، ودعوتهم إلى التفكيرِ والتأملِ؛ فإنَّ الولوعَ في تقديسِ الأضرحةِ، والغلو فيها لا يظهرُ إلا عند أقوامٍ ألغوا عقولهم، وعطلوا تفكيرهم، وأُشربوا حبّ التقليدِ، ومحاكاةَ الآباءِ دون حُجةٍ أو برهان.

وقد عُني القرآنُ بمخاطبة ذوي الألبابِ وأثنى عليهم، وحضّ على التفكر والنظرِ في خلق السموات والأرض، واختلافُ الليل والنهار، كما تضمنَ القرآنُ أدلةً عقلية، وحُججًا برهانيه، في تقريرِ التوحيد والنبوة والمعاد.

ومن ذلك قوله تعالى ـ: (( قُلِ ادْعُوا الَذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ(22) وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ )) [سبأ:22،23] .

يقولُ ابن القيم عند هذه الآيةِ الكريمة: (فتأملَ كيف أخذتْ هذه الآية على المشركين بمجامع الطُرقِ التي دخلوا منها إلى الشركِ، وسدتها عليهم أحكمُ سدٍ وأبلغه؛ فإنَّ العابدَ إنَّما يتعلقُ بالمعبودِ ـ لما يرجو من نفعهِ ـ وإلاَّ فلو لم يرجُ منهُ منفعةً لم يتعلقُ قلبه به، وحينئذٍ فلا بدُّ أن يكونَ المعبُودُ مالكًا للأسباب التي ينفعُ بها عابده، أو شريكًا لمالكها، أو ظهيرًا أو وزيرًا ومعاونًا له، أو وجيهًا ذا حرمة، وقد يشفعُ عنده؛ فإذا انتفت هذهِ الأمورُ الأربعةِ من كل وجه وبطلت، انتفت أسبابُ الشرك وانقطعت مواده، فنفى ـ سبحانه ـ عن آلهتهم أن تملكَ مثقالَ ذرةٍ في السموات والأرض، فقد يقولُ المشركُ: هي شريكةٌ لمالكِ الحقِّ، فنفى شركتها له، فيقولُ المشركُ: قد تكون ظهيرًا ووزيرًا ومعاونًا، فقال:(وما له منهم من ظهير) ، فلم يبق إلا الشفاعة فنفاها عن آلهتهم، وأخبرَ أنَّهُ لا يشفعُ عنده أحد إلا بإذنه) [2] .

ومن الأجوبةِ العقليةِ في الردِّ على دعوى القبوريين، في أنَّهم ينتفعون بهذه الأضرحةِ، ما ذكرهُ شيخُ الإسلامِ بقوله: (عامةَ المذكورِ من المنافع كذبٌ؛ فإنَّ هؤلاءِ الذين يتحرون الدعاءَ عند القبور

(1) التبيان في أقسام القرآن، ص143.

(2) الصواعق المرسلة، 2/ 461، 462.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت