وأمثالهم، إنَّما يُستجابُ لهم في النادر، ويدعو الرجلُ منهم ما شاءَ اللهُ من دعواتٍ، فيستجابُ له في واحدةٍ، ويدعو خلقٌ كثيرٌ، فيستجابُ للواحدِ بعد الواحد، وأين هذا من الذين يتحرون الدعاءَ أوقاتَ الأسحار، ويدعونَ اللهَ في سجودهم وأدبارِ صلاتهم، وفي بيوتِ الله؟ فإنَّ هؤلاءِ إذا ابتهلوا من جنسِ ابتهال المقابريين، لم تكن تسقطُ لهم دعوةٌ إلا لمانع، بل الواقع أنَّ الابتهالَ الذي يفعلهُ المقابر يون إذا فعله المخلصون، لم يرَدِ المخلصون إلاَّ نادرًا، ولم يُستجب للمقابريين إلا نادرًا، والمخلصون كما قال النبي: (ما من عبدٍ يدعو اللهَ بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ول قطيعةَ رحمٍ إلاَّ أعطاهُ اللهُ بها إحدى خصالٍ ثلاث: إما أن يُعجل اللهُ دعوته، أو يدخرَ له من الخيرِ مثلها، أو يصرفَ عنه من الشرِّ مثلها. قالوا: يا رسول الله! إذًا نُكثر. قال: الله أكثر) [1] .
فهم في دعائهم لا يزالون بخير.
وأمَّا القبو رين فإنَّهم إذا استجيبَ لهم نادرًا، فإنَّ أحدهم يضعفُ توحيدهُ، ويقلُّ نصيبهُ من ربه، ولا يجدُ في قلبهِ من ذوقِ الإيمان وحلاوته ما كان يجدهُ السابقون الأولون) [2] .
6 -من الجوانبِ الدعويةِ المهمة، أن نُميّز بين مراتبِ الشرِّ والانحراف؛ فالغلوُّ في القبور والافتتانُ بها له مراتبُ متعددة ومتفاوتة، فمنها ما يكونُ شركًا بالله ـ تعالى ـ في توحيدِ العبادةِ، كالاستغاثةِ بأرباب القبور، ومنها ما يكونُ أشنعُ من ذلك، كأن يستغيثَ بالأمواتِ معتقدًا فيهم الضرَ والنفع، والتصرفَ في الكون، ومن الغلوِّ في القبورِ ما يكونُ محرمًا، ووسيلةً إلى الشركِ، كالصلاة عند القبورِ وتحري الدعاءَ عندها.
ويُخطئ بعضُ الدعاةِ، فلا يفرقون بين هذه المراتبِ من جهةِ الحُكم عليها، كما قد يُخطئون فلا يميّزون من جهةٍ ترتيبها وأولويتها في الإنكار، والمتعينُ أن تمِّيزَ هذهِ الانحرافاتِ وفقَ ما جاءتْ به الأدلةُ الشرعية، وكما نهتمُّ بآكدِ الأُمورِ تقريرًا ونقدمها، فكذا علينا أن نُعنى بأشنعها تحذيرًا، فيُحذِّرُ ابتداءً من الشركِ في الربوبية؛ فالشركُ في الإلهيةِ، ثُمَّ ينظرُ إلى وسائلِ الشركِ وذرائعهِ، فما كان أشدُّها حُرمةً وأعظمها وسيلةً للشركِ فيشتغلُ بمنعها، ثُمَّ ينتقلُ إلى ما دونها.
(1) أخرجه أحمد، 3/ 18، والترمذي، وقال حديث حسن صحيح.
(2) - اقتضاء الصراط المستقيم، 2/ 689.