الصفحة 22 من 49

وإنكار المنكر فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد أثم الجميع، قال الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران: 104] قال الإمام القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله: في هذه الآية والتي بعدها وهي قوله سبحانه وتعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية. أهـ [أحكام القرآن لابن العربي 1/ 292] وقال الجصاص رحمه الله: قد حوت هذه الآية معنيين أحدهما: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآخر: أنه فرض على الكفاية لقوله تعالى: (ولتكن منكم أمة) وحقيقته تقتضي البعض دون البعض، فدل على أنه فرض على الكفاية، إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين. أهـ [أحكام القرآن للجصاص 2/ 29]

ويكفي السكوت عن المنكر قبحًا أنه من أخلاق اليهود التي لُعنوا بسببها، قال الله تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة: 78 - 79] وهذا اللعن ليس حكرًا على اليهود فقط، بل لكل من لم يبين الحق، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 159 - 160] وعن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أنه سمع أبا هريرة يقول: والله لولا آيتان في كتاب الله تعالى ما حدثت عنه - يعني عن النبي صلى الله عليه وسلم - شيئا أبدا لولا قول الله (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب) إلى آخر الآيتين. [أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني]

المحور الثاني: يجوز لأي فرد من أفراد الأمة إن كان صاحب علم بالحكم الشرعي في المسألة أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وينقض ما خالف الدليل من أقوال العلماء.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: إنما يأمر وينهى من كان عالمًا بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة؛ كالصلاة والصيام والزنى والخمر ونحوها، فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال، ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء. أهـ [شرح مسلم 2/ 23]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت