فهرس الكتاب
مهلهلٌ لا يُلتفت إليه، ولا يُعول عليه، ولقد رد عليهم جماهير العلماء قديمًا وحديثًا. قال عبد الواحد بن زياد: قلت لزفر بن الهذيل: عطلتم حدود الله كلها؛ فقلنا: ما حجتكم في ذلك؟ فقلتم: ادرأوا الحدود بالشبهات! حتى إذا صرتم إلى أعظم الحدود: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقتل مؤمن بكافر) فلم قلتم: يقتل مؤمن بكافر [1] ؟! ففعلتم ما نهيتم عنه، وتركتم ما أمرتم به. أهـ [حلية الأولياء 9/ 10]
وقد نقل الإمام ابن قدامة عن الإمام أحمد في الرد على من قال بهذا القول، قال: هذا عجب يصير المجوسي مثل المسلم؟! سبحان الله! ما هذا القول؟! واستبشعه، وقال: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يُقتل مسلم بكافر) وهو يقول: يُقتل بكافر، فأي شيء أشد من هذا؟! [المغني 11/ 304]
وقال الشيخ محمد علي الصابوني: ثم كيف يتساوى المؤمن مع الكافر، مع أن الكافر شر عند الله من الدابة والمؤمن طيب طاهر؟ والله تعالى يقول: (إنما المُشركونَ نَجَسٌ) [التوبة: 28] ويقول: (قل لا يستوي الخبيثُ والطيبُ) [المائدة: 100] فكيف نقتل مؤمنًا طاهرًا بمشرك نجس؟! .. وقد رأيتُ في بعض مراجعاتي قصة لطيفة وهي أن (أبا يوسف) القاضي من تلامذة الإمام أبي حنيفة، رُفعت إليه قضية تتلخص في أن مسلمًا قتل ذِميًا كافرًا، فحكم عليه أبو يوسف بالقصاص، فبينما هو جالس ذات يوم، إذ جاءه رجل برقعةٍ فألقاها إليه ثم خرج، فإذا فيها هذه الأبيات:
يا قاتلَ المسلم بالكافرِ ... جُرْتَ وما العادلُ كالجائرِ
يا مَنْ ببغدادَ وأطرافِها ... من علماء الناسِ أو شاعرِ
استرجعوا وابكُوا على دينكم ... واصطبروا فالأجرُ للصابرِ
جار على الدين أبو يوسف ... بقتله المؤمن بالكافرِ
فدخل أبو يوسف على الرشيد وأخبره الخبر وأقرأه الرقعة، فقال له الرشيد: تدارك هذا الأمر لئلا تكون فتنة، فدعا أبو يوسف أولياء القتيل وطالبهم بالبينة على صحة
(1) أي الذمي.