فهرس الكتاب
ولا مشاحة في ذلك لأن المصنف ما قصد الاستيعاب وإنما اختار خمسة من الأشياء المهمة في عصره، وإلا فالكفر الأكبر خصال كثيرة.
والمصنف رتبها هكذا: التكذيب ثم الاستكبار والإباء ثم الشك والظن ثم الإعراض ثم النفاق. فهل الترتيب مقصود؟ إن قلت إن المصنف بدأ بالأخف ثم انتهى بالأغلظ وهو النفاق فهذا ترتيب حسن. لكن يشكل على ذلك أن الإعراض والشك أخف من التكذيب وهما بعده. لكن أقرب ما يقال أن المصنف رتب باعتبار المحل فما يتعلق بقول القلب قدمه على عمل القلب.
فبدأ بالتكذيب لأنه ضد التصديق، والتصديق من قول القلب (أي محل التصورات والعلم ومحل عقد القلب) وقول اللسان، فيقدم على عمل القلب لأنه بعده في الترتيب، ومثله الشك والظن فإن كان بمعنى الريب فله علاقة بالقلب وإلا فهو متعلق بالعلم الذي هو قبل عمل القلب إنما متعلق بالتصورات والعقل وهو محل العلوم.
والإعراض هل هو بعد التكذيب والظن أم قبلهما؟ الإعراض قد يكون لهذا وقد يكون لذاك، فقد يعرض بعد التصديق وهو الإباء والاستكبار ـ وهذا نص عليه المصنف ـ وقد يعرض من غير إرادة للهدى، وقد يكون قبله فقد يعرض لجهله وهو كفر الجهل.
مسألة: والشيء الذي لا يجوز الاختلاف فيه وهو من أصول أهل السنة والجماعة تسمية ما جاء في النصوص تعليق الكفر الأكبر به أنه مخرج من الملة وكفر أكبر، لكن الاختلاف في نوع اسمه هل هو إباء أم استكبار أم تولي أم امتناع أم شك وهل هو الظن أم لا؟ فهذا الخلاف فيه ليس فيه سنة وبدعة بل خطأ وصواب وفيه والأجر والأجرين.
قال المصنف:
النوع الأول: كفر التكذيب والدليل قوله تعالى (ومن أظلم ممن أفترى على الله كذبًا أو كذب بالحق) فنوع الكفر هنا التكذيب، والتكذيب بالقلب واللسان أن يكذب بقلبه مع لسانه وهذا التكذيب المطلق، وأحيانًا يكذب بلسانه ويصدق بقلبه وهذا يسمى تكذيب اللسان ويسمى جحود اللسان قال تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) أي كذبوا بألسنتهم وصدقوا بقلوبهم، وهناك عكسه وهو ما يسمى بتكذيب القلب وتصديق اللسان وهذا ما يسمى بالنفاق في بعض أنواعه ويأتي أن شاء الله في النوع الخامس.
مسألة: أين محل التكذيب؟ في اللسان أم في القلب؟. وفي أي مكان في القلب؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال - هل التكذيب معه علم أو ليس معه علم؟.
التكذيب يتبع العلم ولا يمكن أن يكذب الإنسان إلا بشيء علمه ثم كذبه كما في الآية التي ذكر المصنف (وكذب بالحق لما جاءه) ، والكذب لا يقع إلا في الخبر وضد الكذب الصدق قاله العسكري في الفروق ص 31.
وعلى ذلك فالتكذيب ليس ضد العلم بل هو تابع له وإنما العلم ضده الجهل، وهنا نعود إلى أين محل التكذيب من القلب نقول ليس محل التكذيب من القلب محل العلم من القلب فإن محل العلم من القلب هو فيما يسمى بقول القلب أو بالعقل، فالعلم والتصورات والأفكار قول القلب ومحلها العقل، والعقل هو مقدم القلب وهو في القلب قال تعالى (لهم قلوب لا يفقهون بها) وقال تعالى (ألم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب