الصفحة 105 من 138

كفر الردة وكفر التأويل وكفر النفاق. والخلط بين هذه الأمور يؤدي إلى عدم ضبط هذا الفصل ويؤدي إلى الخلط واللبس، وقد يظن القاريء أنّا نسوقهما سوقا واحد نظرا لتداخل الأدلة.

وقول المصنف كفر الاستكبار والإباء، هنا عطف المصنف والعطف يقتضي المغايرة فالاستكبار غير الإباء، إذا اجتمعا فأحدهما في الأوامر أو الواجبات والآخر في النواهي أو المحرمات، فالاستكبار مثلا أن يترك ما فعله إيمان وتركه كفر أكبر، فيكون كفر بالترك لكن على جهة الاستكبار، والإباء أن يرفض ترك ما تركه إيمان وفعله كفر أكبر لكن على جهة الرفض والإباء.

ومن جهة أخرى فالإباء في المحرمات فيرفض ويمتنع عن تركها أو الكف عنها والاستكبار في الواجبات فيستكبر ويرتفع أن يفعلها، ويقصد بالإباء إباء القلب ورفض القلب من التزم وترك المحرمات، وقد يقول قائل هذه نزعة خوارج وخارجية معاصرة لأن رفض ترك المحرمات والتكفير بذلك توجه الخوارج، مثل أن تقول له لا تزن فأبى وزنا فإن التكفير به فعل الخوارج لأنه رفض؟ والجواب: هناك فرق بين رفض القلب ورفض الجوارح، ولنضرب مثالًا في الزنا: إنسان رفض أن يلتزم تحريم الزنا بقلبه ورفض أن ينقاد ويقبل الحكم بتحريم الزنا ولذا تجده يفعل الزنا على أنه حلال بقلبه هذه الصورة الأولى، الصورة الثانية أن يدعي أن الزنا تقدم وحضارة هذا لم يلتزم تحرم الزنا، الصورة الثالثة أن ينكح امرأة أبيه مثلا، الصورة الرابعة أن يلزم الناس ألزامًا عامًا بالزنا هذا دليل أنه لم ينقد بقلبه ويقبل، هذه الصور الأربعة تدل على أن الرجل بقلبه لم يقبل ولم ينقد وهذا موضع التكفير.

أما القسم الثاني وهو إباء الجوارح فهذا منقاد وقابل بقلبه تحريم الزنا، ولذا تجده إذا زنا خاف من الله وخاف من العقوبة ويفعل الزنا بتستر، والخوف والتستر دليل أنه منقاد بقلبه لكنه إذا وجد فرصة زنا هذه هو الذي ليس بكفر وهو الذي يكفر به الخوارج و فرق بينهما، وفرق بين إنسان يُحسّن الزنا ويدعو إليه جهرة وينشا أماكن للدعارة علنية ويرخص بها هذا يدل أنه غير مبال بتحريم الزنا وغير ملتزم لتحريمه بقلبه وفرق بين هذه وبين إنسان لا يدعو للزنا ويخاف العقوبة أو يفعله بتستر، لابد من التفريق بين هذا وهذا.

ومن أمثله الإباء والاستكبار ما قال المصنف في الدرر 1/ 123 الخامسة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم فرض الإيمان بما جاء به كله، لا تفريق فيه، فمن آمن ببعض، وكفر ببعض، فهو كافر حقًا، بل لابد من الإيمان بالكتاب كله، فإذا عرفت: أن من الناس من يصلي ويصوم، ويترك كثيرًا من المحرمات، لكن لا يورثون المرأة، ويزعمون أن ذلك هو الذي ينبغي إتباعه، بل لو يورثها أحد عندهم، ويخلف عادتهم، أنكرت قلوبهم ذلك، أو ينكر عدة المرأة في بيت زوجها، مع علمه بقول الله تعالى: (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) ويزعم أن تركها في بيت زوجها لا يصلح، وأن إخراجها عنه، هو: الذي ينبغي فعله؛ وأنكر: التحية بالسلام، مع معرفة أن الله شرعه، حبًا لتحية الجاهلية لما ألفها، فهذا يكفر، لأنه آمن ببعض وكفر ببعض، بخلاف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت