فهرس الكتاب
المسألة الثالثة: - مر علينا في الشرك شرك الإرادة والقصد ومر علينا الآن هنا كفر النفاق هذان الشيئان بينهما تشابه شديد، لأن شرك الإرادة والنية والقصد هو شرك نفاق لأنه يظهر خلاف ما يبطن، فهو يبطن الدنيا وحب المدح ويظهر العمل الصالح كمن يصلى الفرائض لكي يمدح فهذا شرك نفاق لأن باطنه خلاف ظاهره واخترت الصلاة لأن تركها كفر لأنه شيء من الرياء بالفرائض كما مر علينا هذا يعتبر شركا وهو على وجه الدقة شرك نفاق وهنا قال كفر نفاق فهل هما واحد أم بينهما فرق؟
بينهما فرق لأنه أصلًا هناك فرق بين الشرك والكفر فشرك النفاق يختلف عن كفر النفاق وإن اشتراكًا في أن كل منهما نفاق فهو يظهر خلاف ما يبطن وكل منهما يخرج من الملة، لكن الشرك لأنه في العبادات وفي باب الألوهية، وهذا كفر النفاق في غير العبادات وفي غير باب الألوهية، وأيضًا شرك النفاق بالرياء يعمل لهم كي يمدحونه وكفر النفاق هو خوف يعمل لنفسه لكي يسلم أو يدرأ عن نفسه القتل فليس فيه ثلاثة أطراف.
المسألة الرابع: ما هو الفرق يبن الكفر هذا والأنواع الأربعة التي سبقته؟ نقول بينهما عموم وخصوص فمثلا كفر الإعراض قد يكون أحيانًا إعراضا عن نفاق كما قال تعالى في سورة النور (ويقولون آمنا بالله وبالرسول واطعنا ثم يتولى فريق منهم وما أولئك بالمؤمنين) وهنا أعرضوا عن التحاكم إلى الشريعة، لكن يفترقان لأن كفر الإعراض هنا يقصد به الإعراض عن جهل يعرض جاهلًا أما كفر النفاق فهو إعراض عن خبث وعداوة فختلفا في باعث الإعراض.
أما علاقة كفر النفاق بكفر الاستكبار والإباء وهو النوع الثاني فبينهما تداخل، والتداخل أن كلاهما من باب الاستكبار والتكبر وعدم الانقياد، ويفترقان في الظهور فكفر الاستكبار والإباء واضح للناس لأنه متكبر مترفع، أما النفاق فهو يظهر للناس أنه غير متكبر ولكن في قلبه متكبرا.
أما علاقة كفر النفاق بالنوع الأول وهو كفر التكذيب فهو أقوى علاقة في الأنواع الأربعة لأن أصل كفر النفاق مبنى على التكذيب، لكن كفر التكذيب لا يتستر أنه مكذب ويعلن الكذب أما كفر النفاق فهو يخفي التكذيب بقلبه.
ثم ذكر المصنف الدليل على كفر النفاق قال تعالى (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) هذه جاءت في سورة المنافقين وهذه الأنواع الخمسة أيهما أشد؟.
قبل الإجابة عن ذلك فقد جعل ابن القيم قواعد في تفاوت الكفر بالغلظة فقال: في الطبقة السادسة عشرة من كتابه طريق الهجرتين: فصل وغلظ الكفر الموجب للعذاب يكون من ثلاثة أوجه:
أحدها: من حيث العقيدة الكافرة في نفسها كمن جحد رب العالمين بالكلية وعطل العالم عن الرب الخالق المدبر له فلم يؤمن بالله وملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا اليوم الآخر ولهذا لا يقر أرباب هذا الكفر بالجزية عند كثير من العلماء ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم اتفاقا لتغلظ كفرهم، وهؤلاء هم المعطلة والدهرية وكثير من الفلاسفة وأهل الوحدة القائلين بأنه لا وجود للرب سبحانه وتعالى غير وجود هذا العالم.