فهرس الكتاب
الكفر، والمراد به الكفر بالله أو بآلائه مع صغره؟ وما معنى قول من قال: كفر دون كفر؟ وقول من قال: كفر نعمة أي نعمة؟.
فأجاب: وأما معنى"كل ذنب عُصِي الله تعالى به شرك أو كفر"، فالشرك والكفر نوع، والكبائر نوع آخر، والصغائر نوع آخر. ومن أصرح ما فيه حديث أبي ذَرٍّ فيمن لقي الله بالتوحيد قوله"وإن زنى وإن سرق"مع أن الأدلة كثيرة. وإذا قيل: من فعل كذا فقد أشرك أو كفر، فهو فوق الكبائر. وما رأيت ما يخالف مما ذكرت لك فهو بمعنى الذي هو أخفى من دبيب النمل. وقول القائل:"كفر نعمة"خطأ ردَّه الإمام أحمد وغيره اهـ. والشاهد آخره. فكيف يكون الجمع؟ وما هو الصواب في المسألة؟.
وقبل الإجابة عن هذا ننقل كلام أبي عبيد لزيادة الإيضاح، فقد جاء في كتاب الإيمان لأبي عبيد ص 84 في باب الخروج من الإيمان بالمعاصي قال أبو عبيد: أما هذا الذي فيه ذكر الذنوب والجرائم، فإن الآثار جاءت بالتغليظ على أربعة أنواع:
فاثنان منها فيها نفي الإيمان والبراءة من النبي صلى الله عليه وسلم، والآخران فيها تسمية الكفر وذكر الشرك، وكل نوع من هذه الأربعة تجمع أحاديث ذوات عدة ... ثم ذكر أدلة للأول ثم الثاني ... ثم قال في الثالث مثل حديث: أصبح من عبادي مؤمن وكافر .... الحديث، ثم ذكر حديث: لا ترجعوا بعدي كفارا ... الحديث، ثم ذكر حديث: من قال لصاحبه يا كافر فقد باء به أحدهما، ثم ذكر حديث: من أتى كاهنا إلى أن قال أو أتى حائضا أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد، ثم ذكر حديث: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر .... ثم لما ذكر أمثلة للأحاديث لهذه الأنواع الأربعة قال: فهذه أربعة أنواع من الحديث، قد كان الناس فيها على أربعة أصناف من التأويل:
فطائفة تذهب إلى كفر النعمة، وثانية تحملها على التغليظ والترهيب، وثالثة تجعلها كفر أهل الردة وهو مذهب الخوارج، ورابعة تذهبها كلها وتردها.
ثم قال أبو عبيد فكل هذه الوجوه عندنا مردودة غير مقبولة لما يدخلها من الخلل والفساد، والذي يرد المذهب الأول ــ يقصد من قال أنه كفر نعمة ــ ما نعرفه من كلام العرب ولغاتها، وذلك أنهم لا يعرفون كفران النعم إلا بالجحد لأنعام الله وآلائه كالمخبر على نفسه بالعدم وقد وهب الله له الثروة أو بالسقم وقد منّ الله عليه بالسلامة، وكذلك ما يكون من كتمان المحاسن ونشر المصائب، فهذا الذي تسمية العرب كفرانا إن كان ذلك فيما بينهما وبين الله أو كان من بعضهم لبعض إذا تناكروا اصطناع المعروف عندهم وتجاحدوه ينبئك عن هذه مقالة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء (إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير) فهذا ما في كفر النعمة.
ثم قال وأما القول الثاني المحمول على التغليظ فمن أفظع ما تأول [1] على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن جعلوا الخبر عن الله وعن دينه وعيدا لا حقيقة له، وهذا يؤول إلى
(1) ـ ملاحظة: الذين حملوه على التغليظ طاتفتان: أ ـ من قال هو على التغليظ ولا حقيقة له وهؤلا هم الذين قصد المصنف هنا. ب: من حمله على التغليظ وقال له حقيقة والحديث على أصله وله حقيقة فهؤلا لم يذكرهم أبو عبيد. قال الشيخ عبد الله ابا بطين في الدرر 1/ 370 وأما الأحاديث التي فيها إطلاق الكفر، على من فعل معصيةً، كقوله صلى الله عليه وسلم:"قتال المؤمن كفر"وقوله:"كفر من تبرأ من نسبه"ونحو ذلك، فهذا: محمول عند العلماء على التغليظ؛ مع إجماع أهل السنة، على: أن نحو هذه الذنوب، لا تخرج من الإسلام؛ ويقال: كفر دون كفر؛ وكذلك لفظ الظلم، والفسق، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق؛ والأحاديث التي فيها تحريم الجنة على فاعل بعض الكبائر، فهذا على التشديد والتغليظ، لإجماع أهل السنة والجماعة: أنه لا يبقى في النار أحد من أهل التوحيد، كما دلت على ذلك الأحاديث المتواترة، عن النبي صلى الله عليه وسلم اهـ.