الصفحة 121 من 138

إبطال العقاب، لأنه إن أمكن ذلك في واحد منها كان ممكنا في العقوبات كلها، أما الثالث الذي بلغ به كفر الردة فهو شر من الذي قبله لأنه مذهب الخوارج .... وأما القول الرابع الذي فيه تضعيف هذه الآثار فليس مذهب من يعتد به فلا يلتفت إليه إنما هو احتجاج أهل الأهواء والبدع ...

ثم قال وإن الذي عندنا في هذا الباب كله أن المعاصي والذنوب لا تزيل إيمانا ولا توجب كفرا ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الذي نعت الله به أهله ... ثم قال وهذا كلام العرب المستفيض عندنا غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله إذا كان على غير حقيقته ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس بمحكم لعمله: ما صنعت شيئا ولا عملت عملا وإنما وقع معناه هاهنا على نفي التجويد لا على الصنعة نفسها فهو عندهم عامل بالاسم غير عامل في الإتقان ... ومذهبهم في هذا المزايلة من الأعمال الواجبة عليهم من الطاعة والبر .... ثم قال فهم بالأحكام والأسماء في الكتاب داخلون وهم لها بالحقائق مفارقون فهذا ما في القرآن ... ثم قال في الأحاديث التي فيها براءة قال: إنما مذهبه عندنا أنه ليس من المطيعين لنا ولا من المقتدين بنا ولا على المحافظين على شرائعنا وهذه النعوت وما أشبهها.

وقد كان سفيان بن عيينة يتأول قوله (ليس منا) ليس مثلنا وكان يرويه عن غيره أيضا فهذا التأويل وإن كان الذي قاله إمام من أئمة العلم فإني لا أراه من أجل أنه إذا جعل من فعل ذلك ليس مثل النبي صلى الله عليه وسلم لزمه أن يصير من يفعله مثل النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فلا فرق بين الفاعل والتارك، وليس للنبي صلى الله عليه وسلم عديل ولا مثل من فاعل ذلك ولا تاركه .... ثم قال: وأما الآثار المرويات بذكر الكفر والشرك ووجوبهما بالمعاصي فإن معناهما عندنا ليست تثبت على أهلها كفرا ولا شركا يزيلان الإيمان عن صاحبه، إنما وجوهها أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون، ثم ذكر الأدلة على ذلك ... ثم قال مثلها أحاديث (آية المنافق ثلاث) (والغناء ينبت النفاق) وليس وجوه هذه الآثار كلها من الذنوب أن راكبها يكون جاهلا ولا كافرا ولا منافقا وهو مؤمن بالله وما جاء من عنده ومؤد لفرائضه ولكن معناها أنها تتبين من أفعال الكفار محرمة منهي عنها ... قال ومثلها حديث (في المرأة إذا استعطرت ثم مرت بقوم يوجد ريحها أنها زانية) ... إنما هذا كله على ما أعلمتك من الأفعال والأخلاق والسنن.

وكذلك كل ما كان فيه ذكر كفر أو شرك لأهل القبلة فهو عندنا على هذا ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبه للردة بكلمة الكفر خاصة دون غيرها وبذلك جاءت آثار مفسرة .... ثم روى بسنده إلى أبي عثمان النهدي قال دخلت على ابن مسعود وهو في بيت مال الكوفة فسمعته يقول: لا يبلغ بعبد كفرا ولا شركا حتى يذبح لغير الله أو يصلي لغيره اهـ المقصود ملخصا.

والخلاصة في ذلك أن يقال الكفر كفران: أكبر وأصغر، كما قلنا في الشرك أكبر وأصغر. فالأول يُسمى بالكفر الأكبر المخرج من الملة، بقي الآخر ماذا يُسمى؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت