فهرس الكتاب
وعلى ذلك فلو رأيت من إنسان النفاق العملي مثل رأى الابن من أبيه النفاق العملي الأكبر أو العكس أو امرأة رأت من زوجها نفاقا أكبر أو الأخ من أخيه أو الجار من جاره أو من مديرة أو أميره أو حاكمه النفاق الأكبر لكنه لم يظهره علانية ولم يثبت بطريقة شرعية فهنا يعامله معاملة المسلمين في شيء ومعاملة الكفار في شيء.
مسألة: هل إذا علمت نفاقه الأكبر ولم يثبت بطريقة شرعية فهل يلزم أخبر الآخرين بنفاقه؟ الجواب لا، لا يلزم فإن حذيفة كان يعرف بعض المنافقين بأعيانهم ولم يخبر أحدًا بل عند الصلاة ما كان يخبر أحدًا بل كان الصحابة يرقبون حذيفة أن صلى عليه صلوا وأن تركه تركوا.
وللمصنف رسالة في النفاق في الدرر 1/ 190 هذا نصها: رحمه الله تعالى: اعلم رحمك الله: أن الله منذ بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم وأعزه بالهجرة، والنصر صار الناس ثلاثة أقسام؛ قسم: مؤمنون، وهم الذين آمنوا به ظاهرًا وباطنًا؛ وقسم: كفار؛ وهم الذين: أظهروا الكفر به؛ وقسم: منافقون، وهم الذين آمنوا به ظاهرًا لا باطنًا، ولهذا افتتح الله سورة البقرة، بأربع آيات في صفة المؤمنين؛ وآيتين في صفة الكافرين؛ وثلاث عشرة في صفة المنافقين.
وكل واحد من الإيمان، والكفر، والنفاق، له دعائم، وشعب، كما دل عليه الكتاب، والسنة؛ وكما فسره علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، في الحديث المأثور عنه.
فمن النفاق ما هو أكبر، يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبي وغيره؛ مثل أن يظهر تكذيب الرسول؛ أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب إتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك، مما لا يكون صاحبه إلا عدوًا لله ورسوله؛ وهذا القدر موجود في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وما زال بعده أكثر منه على عهده لكون موجبات الإيمان على عهده أقوى، فإذا كانت مع قوتها والنفاق موجود، فوجوده فيما دون ذلك أولى به، وهذا ضرب النفاق الأكبر، والعياذ بالله.
وأما النفاق الأصغر، فهو: نفاق الأعمال، ونحوها، مثل أن يكذب إذا حدث، ويخلف إذا وعد، أو يخون إذا ائتمن، للحديث المشهور في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال:"آية المنافق: ثلاث؛ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان؛ وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم"ومن هذا الباب: الإعراض عن الجهاد، فإنه من خصال المنافقين، لقوله صلى الله عليه وسلم:"من مات ولم يغزُ، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق"رواه مسلم.
وقد أنزل الله سورة براءة، التي تسمى الفاضحة، لأنها فضحت المنافقين، كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما، قال: هي الفاضحة، ما زالت تنزل، ومنهم، حتى ظنوا أن لا يبقى أحد إلا ذكر فيها؛ وعن المقداد ابن الأسود، قال: هي سورة البحوث، لأنها بحثت عن سرائر المنافقين؛ وقال قتادة: هي المثيرة، لأنها أثارت مخازي المنافقين.
وهذه السورة: نزلت في آخر مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غزوة تبوك، وقد أعز الله الإسلام وأظهره، فكشف فيها عن أحوال المنافقين، ووصفهم فيها بالجبن، والبخل؛ فأما الجبن: فهو ترك الجهاد؛ والبخل: عن النفقة في سبيل الله، وقال تعالى (ولا