فهرس الكتاب
اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"وأنزل الله في ذلك، صدر سورة الممتحنة، فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) الآيات."
فدخل حاطب في المخاطبة، باسم الإيمان، ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه، وله خصوص السبب، الدال على إرادته، مع أن في الآية الكريمة، ما يشعر: أن فعل حاطب نوع موالاة، وأنه أبلغ إليهم بالمودة، وأن فاعل ذلك، قد ضل سواء السبيل، لكن قوله:"صدقكم، خلوا سبيله"ظاهر في أنه لا يكفر بذلك، وإذا كان مؤمنًا بالله ورسوله، غير شاك، ولا مرتاب؛ وإنما فعل ذلك، لغرض دنيوي، ولو كفر، لما قال: خلوا سبيله.
ولا يقال، قوله صلى الله عليه وسلم:"ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"هو المانع من تكفيره، لأنا نقول: لو كفر لما بقي من حسناته، ما يمنع من لحاق الكفر، وأحكامه؛ فإن الكفر: يهدم ما قبله، لقوله تعالى: (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) وقوله: (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) والكفر، محبط للحسنات والإيمان، بالإجماع؛ فلا يظن هذا.
وأما قوله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) وقوله: (لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الأخر يوادون من حاد الله ورسوله) وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين) فقد فسرته السنة، وقيدته وخصته بالموالاة المطلقة العامة.
وأصل: الموالاة، هو: الحب والنصرة، والصداقة، ودون ذلك مراتب متعددة؛ ولكل ذنب: حظه وقسطه، من الوعيد والذم؛ وهذا عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروف في هذا الباب وفى غيره وإنما أشكل الأمر، وخفيت المعانى، والتبست الأحكام على خلوف من العجم والمولدين الذين لا دراية لهم بهذا الشأن ولا ممارسة لهم بمعاني السنة والقرآن.
ولهذا: قال الحسن رضي الله من العجمة أتوا وقال عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد، لما ناظرة في مسألة خلود أهل الكبائر في النار واحتج ابن عبيد: أن هذا وعد والله لا يخلف وعده يشير إلى ما في القرآن من الوعيد على بعض الكبائر والذنوب بالنار والخلود فقال له ابن العلاء: من العجمة أتيت؛ هذا وعيد لا وعد وأنشد قول الشاعر:
وإنني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادى ومنجز موعد
وقال: بعض الأئمة فيما نقل البخاري أو غير: إن من سعادة الأعجمي والعربي إذا أسلما، أن يوفقا لصاحب سنة وأن من شقاوتهما: أن يمتحنا ويسرا لصاحب هوى وبدعة.
ونضرب لك مثلًا، هو: أن رجلين تنازعا في آيات من كتاب الله أحدهما خارجي والآخر مرجىء قال الخارجي: إن قوله: (إنما يتقبل الله من المتقين) دليل على حبوط أعمال العصاة، والفجار وبطلانها إذ لا قائل: إنهم من عباد الله المتقين؛ قال المرجىء: هي في الشرك، فكل من اتق الشرك يقبل منه عمله لقوله تعالى (من جاء بالحسنه فله عشر أمثالها) قال الخارجي: قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدًا) رد ما ذهبت إليه.