الصفحة 132 من 138

قال المرجىء، المعصية هنا الشرك بالله واتخاذ الأنداد معه لقوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) قال الخارجي، قوله (أفمن كان مؤمنًا كمن كان فاسقًا) دليل على أن الفساق من أهل النار خالدين فيها: قال له المرجىء، قوله في آخر الآية: (وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) دليل: على أن المراد من كذب الله ورسوله، والفاسق من أهل القبلة، مؤمن كامل الإيمان.

ومن وقف: على هذه المناظرة، من جهال الطلبة والأعاجم ظن أنها الغاية المقصودة، وعض عليها بالنواجذ مع أن كلا القولين لا يرتضى، ولا يحكم بإصابته أهل العلم والهدى، وما عند السلف والراسخين في العلم خلاف هذا كله لأن الرجوع إلى السنة المبينة للناس ما نزل إليهم واجب، وأما البدع والأهواء فيستغنون عنها بآرائهم وأهوائهم وأذواقهم.

وقد بلغني: أنكم تأولتم، قوله تعالى في سورة محمد: (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر) على بعض ما يجرى من أمراء الوقت من مكاتبة أو مصالحة أو هدنة لبعض رؤساء الضالين والملوك المشركين ولم تنظر لأول الآية وهى قوله: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى) ولم تفقهوا المراد من هذه الطاعة ولا المراد من الأمر المعروف المذكور في هذه الآية الكريمة وفي قصة: صلح الحديبية، وما طلب المشركين واشترطوه وأجابهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكفى في رد مفهومكم ودحض أباطيلكم.

فصل

وهنا أصول، أحدها: أن السنة والأحاديث النبوية، هي المبينة للأحكام القرآنية، وما يراد من النصوص الواردة في كتاب الله في: باب معرفة حدود ما أنزل الله كمعرفة المؤمن والكافر والمشرك والموحد والفاجر والبر والظالم والتقى وما يراد بالموالاة والتولي ونحو ذلك من الحدود كما أنها المبينة لما يراد من الأمر بالصلاة على الوجه المراد في عددها وأركانها وشروطها وواجبها وكذلك الزكاة فإن لم يظهر المراد من الآيات الموجبة ومعرفة النصاب، والأجناس التي تجب فيها من الأنعام والثمار والنقود ووقت الوجوب واشترط الحول في بعضها ومقدار ما يجب في النصاب وصفته، إلا بيان السنة وتفسيرها.

وكذلك: الصوم، والحج، جاءت السنة بيانهما وحدودهما، وشروطهما، ومفسداتهما، ونحو ذلك مما توقف بيانه على السنة، وكذلك: أبواب الربا وجنسه ونوعه، وما يجرى فيه، وما لا يجرى والفرق بينه، وبين البيع الشرعي، وكل هذا البيان: أخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم براوية الثقات العدول، عن مثلهم، إلى أن تنتهي السنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن: أهمل هذا وأضاعه، فقد سد على نفسه، باب العلم والإيمان، ومعرفة معاني: التنزيل والقرآن.

الأصل الثاني: أن الإيمان أصل، له شعب متعددة كل شعبة منها تسمى إيمانًا فأعلاها: شهادة أن لا إلَه إلا ّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، فمنها: ما يزول الإيمان بزواله إجماعًا، كشعبة الشهادتين ومنها: ما لا يزول بزواله إجماعًا، كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبين هاتين الشعبين، شعب متفاوتة، منها: ما يلحق بشعبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت