فهرس الكتاب
القائلين بوحدة الوجود [1] ، والحلول، كقصيدته المسماة: نظم السلوك، ومثل كثير من شعر ابن إسرائيل، وابن عربي، وابن سبعين، والتلمساني، وما يوافقها من النثر، الموافق لمعناها.
فهذه الأشعار: من فهمها، علم أنها كفر وإلحاد، وأنها مناقضة للعقل والدين، ومن لم يفهمها، وعظم أهلها [2] ، كان بمنزلة من سمع كلامًا لا يفهمه، وعظمه، وكان ذلك من دين اليهود والنصارى، والمشركين؛ وإن أراد أن يحرفها ويبدل مقصودهم بها، كان من الكذابين البهاتين، المحرفين لكلم هؤلاء عن مواضعه، فلا يعظم هؤلاء وكلامهم، إلا أحد رجلين: جاهل ضال، أو زنديق منافق [3] ؛ وإلا فمن كان مؤمنًا بالله، ورسوله، عالمًا بمعاني كلامهم، لا يقع منه إلا بغض هذا الكلام وإنكاره، والتحذير منه، وهذا كقول ابن الفارض:
لها صلاتي في المقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت
كلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدت
وماكان لي صلى سواي ولم تكن صلاتي لغيري في أداء كل ركعة
وما زلت إياها وإياي لم تزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت
إليّ رسولا كنت مني مرسلا ... وذاتي بآياتي علي استدلت
وقد رفعت تاء المخاطب بيننا وفي فرقها عن فرقة الفرق رفعت
فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن منادى أجابت من دعاني ولبت
وإن نال بالتنزيل محراب مسجد ... فما نال بالإِنجيل هيكل بعثت
وإن خر للأصنام ... الخ. البيت السابق، وذكر أبياتًا لابن إسرائيل وغيره، ثم قال: وحقيقة قول هؤلاء أنهم قالوا في مجموع الوجود، أعظم مما قالته النصارى في المسيح، فإن النصارى ادعوا أن اللاهوت الذي هو الله، اتحد مع الناسوت وهو ناسوت المسيح، أو حل فيه، مع كفرهم الذي أخبر الله به، كما قال: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) فهم مع هذا الكفر، يقرون أن الله خلق السماوات والأرض، وأنه مغاير للسماوات والأرض، ويقولون: إنه قد حل في المسيح، واتحد به، وهؤلاء يقولون: بالحلول، والاتحاد، في جميع العالم، ولا يقرون أن للعالم صانعاًَ مبايناًَ له، بل يقولون: وجود المخلوق، هو وجود الخالق؛ ويقولون في جميع المخلوقات، نظير قول النصارى في المسيح، لكن النصارى: يثبتون خالقًا كان مباينًا للمسيح، وهؤلاء لا
(1) ـ فيلحقهم الاسم لما قام بهم من ذلك الظاهر، بل إذا لحق النصارى اسم الشرك مع الجهل والتأويل لما قام بهم وهم أخف من الاتحادية، فقيامه بالاتحادية أشد، لكن بقي كفر التعذيب والقتل والقتال والتعزير ونحوه؟ فهذا كما قالوا أعلاه في كلامهم. ولا يعني ذلك أن أبناء الشيخ وطلابه يعتبرون ابن فارض والتلمساني وأمثالهم أنهم مسلمون أو لم يخرجوا عن الملة، فهذا جهل من قائله، فكيف يكون مسلما لله من اعتبر أن الله والمخلوقات متحدة، هذا خارج من الملة أشد من النصارى، لكنهم رحمهم الله لهم طريقة ـ وهي طريقة السلف ـ فيمن فعل الشرك مع تعظيمه لله ـ فما بالك بمن هو أشد من المشرك بل جمع الشرك والتعطيل ـ فهم رحمهم الله يجرون عليه اسم الشرك، وإذا كان زمنه قبل زمنهم ولا يعلمون أن الحجة قامت عليه كانوا لا يكفرونه ويقولون إن قامت عليه الحجة فهو كذا وان لم تقم فهو كذا، لكنه ليس بمسام فضلا عن مؤمن فضلا عن موحد بل هو خارج عن الملة.
(2) ـ جعل عدم الفهم وإحسان الظن بقائلها مانع.
(3) ـ هذه القاعدة فيمن كان كافرا باطنا ويظهر الإسلام وأمره ملتبس، فالناس فيه إما جاهل ضال أو منافق زنديق.