الصفحة 27 من 138

يثبتون خالقًا مباينًا للمخلوقات، فقولهم أعظم حلولًا واتحادًا، وأكبر فسادًا وإلحادًا من قول النصارى انتهى.

فتأمل: كونه رحمه الله أطلق على هذا القول أنه كفر، ولم يتعرض لتكفير قائله، فافهم الفرق، لأن إطلاق الكفر على المعين، الذي لم تقم عليه الحجة، لا يجوز، وأظن هذا الإِمام الذي قال فيهم هذا الكلام رحمه الله، ظن أن الحجة لم تقم على قائل هذا الكلام، وأن ابن الفارض، وأمثاله، لجهالتهم: لا يعلمون ما في كلامهم، ومذهبهم من الكفر، ومن أحسن فيهم الظن، من العلماء، كما قدمنا، حمل كلامهم على محامل غير هذه، وأولها تأويلًا حسنًا، على غير ظاهرها.

وقال السائل، أيضًا: السنوسي المغربي، مصنف السنوسية، هو من أئمة أهل السنة والجماعة، وتكلم بالسنوسية المعروفة بعلم الصفات، فهل تنقمون عليه شيئًا من ذلك؟ الخ

الجواب: السنوسي ليس من أئمة السنة والجماعة، فإن أهل السنة والجماعة، هم الذين نعتهم النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر (أن بني إسرائيل افترقت على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي علي ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة) قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) والسنوسي المذكور، صنف كتابه: أم البراهين، على مذهب الأشاعرة، وفيها أشياء كثيرة، مخالفة ما عليه أهل السنة، فإن الأشاعرة، قد خالفوا ما عليه السلف الصالح في مسائل: منها مسألة العلو، ومسألة الصفات، ومسألة الحرف والصوت.

فالسلف، والأئمة يصفون الله بما وصف به نفسه، في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، بل يثبتون ما أثبت لنفسه من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ويعلمون أنه ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإنه كما أن ذاته ليست كالذوات المخلوقات، فصفاته ليست كالصفات المخلوقات، بل هو سبحانه موصوف بصفات الكمال، منزه عن كل نقص وعيب، فهم متفقون على أن الله فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.

وقد قال مالك بن أنس: إن الله في السماء، وعلمه في كل مكان؛ وقالوا لعبد الله بن المبارك: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه؛ وقال أحمد بن حنبل كما قال هذا، وهذا؛ وقال الشافعي خلافة أبي بكر حق، قضاها الله فوق سماوته، وجمع عليها قلوب أوليائه، وقال الأوزاعي: كنا والتابعون متوافرون، نقول بأن الله فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته.

والسنوسي: قد خالف أئمة السنة، في هذه المسألة؛ وعبارته في أم البراهين، قال: ومما تستحيل في صفته تعالى: عشرون صفة، فذكر منها، وأن يكون في جهة؛ قال الشارح لها، وهو محمد بن عمر التلمساني، هذا أيضًا، من أنواع المماثلة المستحيلة، وهي: كونه تعالى في جهة، فلا يقال: إنه تعالى فوق العرش؛ فقد تبين لك مخالفته السلف الصالح؛ ومنها: مسألة الصفات، فإن السنوسي أثبت الصفات السبع، فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت