فهرس الكتاب
وأما أهل السنة والجماعة: فيصفون الله بجميع ما وصف به نفسه، كما يليق بجلاله وعظمته، فيثبتون النزول، كما وردت بذلك السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل) الخ؛ ويثبتون صفة اليدين، كما يليق بجلاله وعظمته، وكذلك صفة الوجه الكريم، كما يليق بجلاله وعظمته، وكذلك الضحك الذي وردت به السنة، والتعجب، والغضب، والرضى، والقبضتان، والأصابع؛ فيصفون الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله؛ ولا يفهمون من جميع ذلك، إلا ما يليق بالله وعظمته، لا ما يليق بالمخلوقات، من الأعضاء، والجوارح، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
فيحصل بذلك: إثبات ما وصف به نفسه في كتابه، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويحصل أيضًا: نفي التشبيه، والتكييف في صفاته، ويحصل أيضًا: ترك التأويل، والتحريف، المؤدي إلى التعطيل، ويحصل أيضًا: إثبات الصفات على ما يليق بجلال الله وعظمته، لا على ما نعقله نحن من صفات المخلوقين؛ وأما الأشاعرة: فيؤلون النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله، فيؤلون الاِستواء، بالاستيلاء، والنزول، بنزول الأمر، واليدين، بالقدرتين، والنعمتين؛ والقدم، بقدم صدق؛ وأمثال ذلك.
وأما أهل السنة والجماعة، فيصفون الله بهذه الصفات، وغيرها، مما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يكيفون، ولا يشبهون؛ والكلام عندهم في الصفات، فرع على الكلام في الذات، فكما أن ذاته لا تشبه ذوات خلقه، فكذلك صفاته لا تشبه صفات خلقه، فإذا ثبت وصفه تعالى بالصفات السبع على ما يليق بجلاله، فكذلك باقي الصفات
وأما: مسألة الحرف، والصوت، فتساق هذا المساق؛ فإن الله تعالى: قد تكلم بالقرآن المجيد، وبجميع حروفه، فقال: (الم) وقال: (المص) وقال: (ق) وكذلك جاء في الحديث (( فينادي يوم القيامة بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب ) )وفي الحديث (( لا أقول(الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ))فهؤلاء، أي: الأشاعرة، ما فهموا من كلام الله، إلا ما فهموا من كلام المخلوقين، فقال: إذا قلنا بالحرف، أدى ذلك إلى القول بالجوارح، واللهوات؛ وكذلك: إذا قلنا بالصوت، أدى ذلك إلى الحلق، والحنجرة، عملوا في هذا من التخبيط، كما عملوا فيما تقدم من الصفات،
والتحقيق هو: أن الله تكلم بالحروف، كما يليق بجلاله وعظمته؛ فإنه قادر، لا يحتاج إلى جوارح، ولا إلى لهوات؛ وكذلك: له صوت كما يليق به، يسمع، ولا يفتقر ذلك الصوت المقدس، إلى الحلق والحنجرة؛ كلام الله يليق به، وصوته كما يليق به؛ ولا ننفي الحروف والصوت عن كلامه، لافتقارهما هنا إلى الجوارح، واللهوات فإنهما في جناب الحق: لا يفتقران إلى ذلك، وهذا ينشرح الصدر له، ويستريح الإنسان به، من التعسف والتكلف؛ لا قوله: هذا عبارة عن ذلك.
فإن قيل: هذا الذي يقرأ القارىء، هو عين قراءة الله، وعين تكلمه به هو؟ قلنا: لا، بل القارىء يؤدي كلام الله؛ والكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتديًا، لا إلى من قاله مؤديًا مبلغًا، ولفظ القاري في غير القرآن مخلوق، وفي غير القرآن: لا يتميز اللفظ المؤدى عن الكلام المؤدي عنه؛ ولهذا: منع السلف، عن قول: لفظي بالقرآن مخلوق؛ لأنه