الصفحة 30 من 138

ولتكثير سواد من ذكر، والتأليب معه، فله حينئذ حكمه في قتاله، ونعتذر عمن مضى: بأنهم مخطئون معذورون، لعدم عصمتهم من الخطأ، والإجماع في ذلك ممنوع قطعًا؛ ومن شن الغارة فقط غلط؛ ولا بدع أن يغلط، فقد غلط من هو خير منه، كمثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما نبهته المرأة رجع في مسألة المهر، وفي غير ذلك يعرف ذلك في سيرته، بل غلط الصحابة وهم جمع، ونبينا صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، سار فيهم نوره، فقالوا اجعل لنا ذات أنواط كمالهم ذات أنواط.

فإن قلت: هذا فيمن ذهل، فلما نبه انبته، فما القول فيمن حرر الأدلة؟ واطلع على كلام الأئمة القدوة؟ واستمر مصرًا على ذلك حتى مات؟ قلت: ولا مانع أن نعتذر لمن ذكر، ولا نقول: إنه كافر، ولا لما تقدم أنه مخطىء، وإن استمر على خطئه، لعدم من يناضل عن هذه المسألة في وقته، بلسان وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه الحجة، ولا وضحت له المحجة، بل الغالب على زمن المؤلفين المذكورين: التواطؤ على هجر كلام أئمة السنة في ذلك رأسًا؛ ومن اطلع عليه أعرض عنه، قبل أن يتمكن في قلبه؛ ولم يزل أكابرهم تنهى أصاغرهم عن مطلق النظر في ذلك، وصولة الملوك قاهرة لمن وقر في قلبه شيء من ذلك إلا من شاء الله منهم.

هذا: وقد رأى معاوية وأصحابه - رضى الله عنهم- منابذة أمير المؤمنين علي أبي طالب رضي الله عنه، وقتال، ومناجزته الحرب، وهم في ذلك مخطئون بالإجماع، واستمروا في ذلك الخطأ، ولم يشتهر عن أحد من السلف تكفير أحد منهم إجماعًا، بل ولا تفسيقه، بل أثبتوا لهم أجر الاجتهاد، وان كانوا مخطئين، كما أن ذلك مشهور عند أهل السنة.

ونحن كذلك: لا نقول بكفر من صحت ديانته، وشهر صلاحه، وعلم ورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبلغ من نصحه الأمة، ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها، وإن كان مخطئًا في هذه المسألة أو غيرها، كابن حجر الهيتمي، فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم، ولا ننكر سعة علمه، ولهذا نعتني بكتبه، كشرح الأربعين، والزواجر وغيرها؛ ونعتمد على نقله إذا نقل لأنه من جملة علماء المسلمين.

هذا ما نحن عليه، مخاطبين من له عقل وعلم، وهو متصف بالإنصاف، خال عن الميل إلى التعصب والاعتساف، ينظر إلى ما يقال، لا إلى من قال، وأما من شأنه: لزوم مألوفه وعادته، سواء كان حقًا، أو غير حق، فقلد من قال الله فيهم: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) عادته وجبلته أن يعرف الحق بالرجال لا الرجال بالحق، فلا نخاطبه وأمثاله إلا بالسيف، حتى يستقيم أوده، ويصح معوجه؛ وجنود التوحيد - بحمد الله - منصورة وراياتهم بالسعد والإقبال منشورة (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) (إن حزب الله هم الغالبون) وقال تعالى: (وإن جندنا لهم الغالبون) (وكان حقًا علينا نصر المؤمنين) (والعاقبة للمتقين) اهـ.

فانتبه إلى هذا الأصل حتى لا تقع في تناقض وحتى تفهم كلام أئمة الدعوة في مثل هذا الأمر إذا مرّ عليك بعض نصوصهم وأشكل عليك. وراجع جزء أصل دين الإسلام وجزء أهل الأهواء والبدع وكتاب الطبقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت