فهرس الكتاب
المؤمنين: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه خرج بالعباس بن عبد المطلب، عام الرمادة، بمحضر من السابقين الأولين، يستسقون، فقال عمر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فأسقنا، ثم قال: ارفع يديك يا عباس، فرفع يديه يسأل الله تعالى؛ ولم يسأله بجاه النبي صلى الله عليه وسلم ولا بغيره؛ ولو كان هذا التوسل حقًا، كانوا إليه أسبق، وعليه أحرص. فإن كانوا أرادوا بالتوسل: دعاء الميت، والاستشفاع به، فهذا هو شرك المشركين بعينه؛ والأدلة على بطلانه في القرآن كثيرة جدًا، فمن ذلك قوله تعالى: (أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئًا ولا يعقلون، قل لله الشفاعة جميعًا له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون) فالذي له ملك السماوات والأرض، هو الذي يأذن في الشفاعة، كما قال تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) .
وقال تعالى: (وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى) وهو لا يرضى إلا الإخلاص في الأقوال والأعمال الباطنة، والظاهرة؛ كما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة، وغيره؛ وأنكر تعالى على المشركين اتخاذ الشفعاء، فقال تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون) فبين تعالى في هذه الآية: أن هذا شرك المشركين، وأن الشفاعة ممتنعة في حقهم، لما سألوها من غير وجهها، وأن هذا شرك نزه نفسه عنه، بقوله تعالى: (سبحانه وتعالى عما يشركون) فهل فوق هذا البيان بيان؟ وقال تعالى: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) فكفرهم بطلبهم من غيره: أن يقربوهم إليه. وقد تقدم: بعض الأدلة على النهي عن دعوة غير الله، والتغليظ في ذلك؛ وأنه في غاية الضلال، وأنه شرك بالله، وكفر به، كما قال تعالى: (ومن يدع مع الله إلهًا آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون) فمن أراد النجاة: فعليه التمسك بالوحيين، الذين هما حبل الله وليدع عنه: بنيات الطريق، كما قال تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذالكم وصاكم به لعلكم تتقون) وقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم: الصراط المستقيم، وخط خطوطًا عن يمينه وعن شماله، وقال:"هذه هي السبل، وعلى كل سبيل شيطان يدعوا إليه"والحديث في الصحيح وغيره، عن عبد الله بن مسعود؛ وكل من زاغ عن الهدى، وعارض أدلة الكتاب والسنة، بزخرف أهل الأهواء، فهو شيطان.
فصل: والعاقل، إذا تأمل: ما عارض به أولئك الدعاة، إلى الشرك بالله في عبادته، كابن كمال، وغيره، من دعا الناس إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، فالعاقل، يعلم: أن معارضتهم، قد اشتملت على أمور كثيرة. الأمر الأول: أنهم أنكروا ما جاءت به الرسل، من توحيد العبادة، وما نزلت فيه الكتب الإلهية، من هذا التوحيد، فهم في الحقيقة: إنما عارضوا الرسل، والكتب المنزلة عليهم، من عند الله. الأمر الثاني: تضمنت معارضتهم، قبول الشرك الأكبر، ونصرته، وهو: الذي أرسل الله رسله، وأنزل كتبه بالنهي عنه؛ وقد خالفوا جميع الرسل، والكتب، فهم في الحقيقة: قد أنكروا