فهرس الكتاب
في الحكم، فإنه لا يعقل الإخراج حينئذ البتة، فإنه لو شاركه في حكمه، لدخل معه في الحكم والاسم جميعا، فكان استثناؤه غير معقول ورد أهل هذا القول: زعم من زعم، أن المستثنى مسكوت عن حكمه قبل الاستثناء، نفيا وإثباتا، وأبطلوا ذلك من وجوه؛ منها أنك إذا قلت، ماقام إلا زيد، وماضربت إلا عمرا، ونحو ذلك من الاستثناءات المفرغة، لم يشك السامع: أن الأحكام المذكورة، أثبتت لما بعد"إلا"كما سلبت عن غيره؛ ولو قيل إنه مسكوت عنه، لما أفهم إثبات هذه الأفعال لما بعد"إلا"ومنها: أنه لو كان مسكوتا عنه، لم يدخل الرجل في الإسلام، بقول: لا إله إلا الله، لأنه على هذا التقدير الباطل، لم يثبت الإلهية لله؛ فهذه أعظم كلمة تضمنت بالوضع، نفي الإلهية عما سوى الله، وإثباتها لله بوصف الاختصاص؛ فدلالتها على إثبات الإلهية، أعظم من دلالة قولنا: الله إله؛ ولا يستريب أحد في هذا البتة، انتهى ملخصًا.
و قال الحفيد عبد الرحمن في الدرر 2/ 260 فتبين بهذا: أن لا إله إلا الله، نفت كل ما كان يعبد من دون الله، من صنم، ومن وثن، من حين حدوث الشرك في قوم نوح، إلى أن تقوم الساعة وهذا المعنى: أكثر أهل العلم يسلمونه ويعرفونه، حتى الخوارج، والرافضة، والمعتزلة، والمتكلمون، من كل أشعري، وكرامي، وما تريدي؛ وإنما اختلفوا في العمل، بلا إله إلا الله؛ فبعضهم يظن أن هذا في حق أناس كانوا فبانوا؛ فخفي عليهم حقيقة الشرك. وأما الفلاسفة، وأهل الاتحاد، فإنهم لا يقولون بهذا المعنى، ولا يسلمونه، بل يقولون: إن المنفي بلا إله إلا الله، كلي، لا يوجد منه في الخارج، إلا فرد، وهو الله، فهو المنفي، وهو المثبت؛ بناءً على مذهبهم، الذي صاروا به أشد الناس كفرًا، وهو قولهم: إن الله، هو الوجود المطلق؛ فلم يخرجوا من ذلك، صنمًا، ولا وثنًا وشبيه قولهم هذا: قول أهل وحدة الوجود، القائلين بأن الله تعالى، هو الوجود بعينه؛ فيقولون: إن المنفي، كلي، والمثبت بقوله:"إلا الله"هو الوجود بعينه؛ ولا فرق عند الطائفتين، بين الخالق، والمخلوق، ولا بين العابد، والمعبود؛ كل شيء عندهم، هو الله، حتى الأصنام، والأوثان، وهو حقيقة قول هذا الرجل سواء.
فخذ قولي، واقبله، وفقك الله؛ فلقد عرفت بحمد الله، ما أرادوه من قولهم: إن المنفي كلي، لا يوجد منه في الخارج إلا فرد؛ ويدعي هذا مثل ما ادعته هذه الطائفة، أن تقدير خبر"لا"وهذه الكلمة لم توضع لتقرير الوجود؛ وإنما وضعت لنفي الشرك والبراءة منه وتجريد التوحيد كما دلت عليه الآيات المحكمات البينات، ودعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم. وتقدير خبر"لا"موجود؛ لا يجري إلا على مذهب الطائفتين، لعنهم الله، على قولهم: إن الله هو الموجود، فلا وجود إلا الله، فهذا معنى قوله: إنه كلي، لا يوجد منه في الخارج، إلا فرد؛ فغير المعنى، الذي دلت عليه لا إله إلا الله، من نفى جميع المعبودات التي تعبد من دون الله؛ والمنفي إنما هو حقيقتها، كما قال المسيح عليه السلام: (ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق) .
ولا ريب: أن كل معبود سوى الله، فهو باطل؛ والمنفي بلا إله إلا الله، هو المعبودات الباطلة، والمستثنى بإلا هو سبحانه، ويدل على هذا، قوله تعالى، في سورة الحج: (ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى) الآية وقال في آخر السورة: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل) وقال في سورة لقمان: (ذلك بأن الله هو الحق وأن