الصفحة 39 من 138

الصفات: كتب التوحيد، وختم البخاري صحيحه بذلك، قال: كتاب التوحيد؛ ثم ذكر للصفات بابًا.

فنكتة المسألة: أن المتكلمين يقولون: التوحيد لا يتم إلاّ بإنكار الصفات؛ فقال أهل السنة: لا يتم التوحيد إلاّ بإثبات الصفات وتوحيدكم، هو: التعطيل؛ ولهذا آل هذا القول لبعضهم إلى إنكار الرب تبارك وتعالى، كما هو مذهب ابن عربي، وابن الفارض، وفئام من الناس، لا يحصيهم إلا ّ الله فهذا بيان لقولك هل مراده الصفات؟ أو الأفعال؟ فبين السلف: أن العبادة إذا كانت كلها لله عن جميع المخلوقات فلا تكون إلاّ بإثبات الصفات والأفعال فتبين إن منكر الصفات، منكر بحقيقة الألوهية، لكن لا يدري، وبين لك: أن من شهد أن لا إلّه إلا ّ الله، صدقًا من قلبه، لا بد أن يثبت الصفات، والأفعال، ولكن العجب العجاب: ظن إمامهم الكبير، أن الألوهية، هي القدرة وأن معنى قولك: لا إلٌه إلا ّ الله؛ أي: لا يقدر على الخلق إلا ّ الله! اهـ.

وقال مرة في الدرر 2/ 112، 113 عن افتراق الناس في هذه الكلمة، وقد ذكره أيضا في كشف الشبهات، قال: والحديث يفصح: أن لا إله إلا الله، لها لفظ ومعنى، ولكن الناس فيها ثلاث فرق؛ فرقة نطقوا بها وحققوها، وعلموا أن لها معنى وعملوا به، ولها نواقض فاجتنبوها.

وفرقة: نطقوا بها في الظاهر، فزينوا ظواهرهم بالقول، واستبطنوا الكفر والشك. وفرقة نطقوا بها، ولم يعملوا بمعناها، وعملوا بنواقضها، فهؤلاء (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا) .

فالفرقة الأولى، هي: الناجية، وهم المؤمنون حقًا؛ والثانية، هم: المنافقون؛ والثالثة، هم: المشركون؛ فلا إله إلا الله: حصن، ولكن نصبوا عليه منجنيق التكذيب، ورموه بحجارة التخريب، فدخل عليهم العدو، فسلبهم المعنى، وتركهم مع الصورة؛ وفي الحديث: {إن الله لا ينظر إلى صوركم وأبدانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم} سلبوا معنى: لا إله إلا الله، فبقي معهم لقلقة باللسان، وقعقعة بالحروف، وهو ذكر الحصن لا مع الحصن، فكما أن ذكر النار لا يحرق، وذكر الماء لا يغرق، وذكر الخبز لا يشبع، وذكر السيف لا يقطع، فكذلك ذكر الحصن لا يمنع.

فإن القول: قشر، والمعنى: لب، والقول: صدف، والمعنى: در؛ ماذا يصنع بالقشر مع فقدان اللب؟! وماذا يصنع بالصدف مع فقدان الجوهر؟!. لا إله إلا الله، مع معناها، بمنزلة الروح من الجسد، لا ينتفع بالجسد دون الروح، فكذلك لا ينتفع بهذه الكلمة دون معناها .... فمن قال: لا إله إلا الله، وهو عابد لهواه، ودرهمه، وديناره، ودنياه، ماذا يكون جوابه يوم القيامة لمولاه؟ (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) .

تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطى رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش"."

إذا قلت: لا إله إلا الله، فإن كان مسكنها منك اللسان لا ثمرة لها في الثمرة، فأنت منافق؛ وإن كان مسكنها منك القلب، فأنت مؤمن، وإياك أن تكون مؤمنًا بلسانك دون قلبك، فتنادى عليك هذه الكلمة في عرصات القيامة، إلهي صحبته كذا وكذا سنة، فمات ما اعترف بحقي، ولا رعى لي حرمتي، حق رعايتي؛ فإن هذه الكلمة: تشهد لك، أو عليك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت